تحية ثورية لكل رفيق...لكل تقدمي

ستنتصر الطبقة العاملة في صراعها حتما ضد البورجوازية

vendredi 24 septembre 2010

طبيعة النقابات الاقتصادية والسياسية:حسقيل قوجمان


لم تنشأ الحركة النقابية مباشرة عند تحول المجتمع الى مجتمع راسمالي. لقد خاضت الطبقة العاملة نضالات شاقة ودامية ضد الطبقة الراسمالية التي كانت تتحكم بشروط العمل وساعات يوم العمل واجور العمل حسب مشيئتها وحسب القوانين التي تشرعها حكومتها الراسمالية ضد العمال. ولكن الظروف القاسية التي عاشها العمال في بداية وجود النظام الراسمالي هي التي قادت العمال الى خوض نضالات تلقائية ضد هذه الظروف ومنها اعتبار المكائن هي السبب في شقاء العمال وحركات تحطيم المصانع معروفة في تاريخ حياة الطبقة العاملة. فالصراع الطبقي بين الطبقة الراسمالية الحاكمة والطبقة العاملة المحكومة هو ضرورة تاريخية حتمية لا يمكن تفاديها. وخلال هذه الصراعات الاولية بدأت تتكون نشاطات مشتركة للعمال من اجل تخلصهم من الحياة القاسية التي فرضتها عليهم الطبقة الحاكمة الراسمالية والراسماليون المسيطرون على الانتاج الاجتماعي نتيجة ملكيتهم لوسائل الانتاج واضطرار الطبقة العاملة الى بيع قوة عملها للراسماليين طلبا للعيش. وفي مسار هذه النضالات العمالية نشأت فكرة تنظيم العمال لانفسهم لشن نضالاتهم بصورة جماعية منظمة وليس بصورة تلقائية او فردية. فنشأت النقابات العمالية.
ان مصلحة الراسمالي هي ان يجني اقصى ما يستطيعه من الارباح من قوة العمل التي يشتريها من العامل ويرى في ذلك حقا طبيعيا له لانه دفع ثمن السلعة التي اشتراها بكامل قيمتها ومن حقه ان يستعملها بالصورة التي يشاؤها بدون ان تكون للبائع اية سلطة عليه. وهذا يصح على كافة السلع المعروفة في العالم. اذ عند بيع المنتج سلعته واستلام ثمنها لا تبقى له اية سلطة على المشتري في كيفية استعمالها. فقد يشتري الانسان سلعة يستخدمها كل يوم وكل ساعة كالحذاء والقميص والسيارة والراديو والتلفيزيون وكل ما اخترعته الثورة العلمية والتكنولوجية من سلع متطورة. وقد يقدم المشتري السلعة التي اشتراها هدية او يتركها بدون ان يستعملها او يلقيها في القمامة. ولكن استخدام سلعة قوة العمل يختلف عن كل السلع التي انتجها الانسان، اذ هي سلعة لا يمكن فصلها عن منتجها وبائعها.
سلعة قوة العمل تختلف عن جميع السلع الاخرى بان المشتري لا يستطيع استخدامها والبائع لا يستطيع بيعها الا بوجوده جسمانيا مع السلعة. فلكي يستعمل الراسمالي سلعة قوة العمل التي اشتراها يضطر العامل نفسه جسميا ان يحضر الى المصنع ليمكنه من استعمالها. وطبقا لما هو مألوف في استخدام السلع الاخرى يكون للشاري حق استخدامها وفق مشيئته بلا ارتباط بالبائع. فمن حق الراسمالي في هذا الخصوص ان يستعمل قوة العمل التي اشتراها ودفع ثمنها كاملا اربعا وعشرين ساعة في اليوم. ولكن عيب هذه السلعة هو ان استعمالها مرتبط بوجود البائع معها. والبائع اي العامل يحتاج الى بعض الوقت لقضاء حاجاته الطبيعية كالنوم وتناول الطعام واعادة انتاج قوة عمله التي ينبغي ان يبيعها في اليوم التالي. حقه في تنظيم حياة عائلته وثقافة اطفاله الى اخر ذلك من الظروف الضرورية لاستمرار حياة العامل وحياة الطبقة العاملة ككل. لذا نشأ الصراع بين الراسمالي والعامل حول تحديد مدة استخدام سلعة قوة العمل التي اشتراها، تحديد ساعات يوم العمل، مساواة سلعة عمل المرأة بسلعة عمل الرجل، منع استخدام عمل الاطفال وتحقيق ظروف معيشة معقولة للعائلة العمالية وضمان تربية وثقافة الجيل الناشئ وتحقيق ظروف عمل صحية تضمن سلامة العامل اثناء عمله الخ.
عند نشوء النقابات اصبحت مهمتها النضال المشترك الموحد في سبيل حصول العمال على الظروف المناسبة في تحديد مدة يوم العمل وظروف العمل. فالنقابة اذن منظمة اقتصادية اجتماعية. اقتصادية من اجل تحقيق اسعار لسلعة قوة العمل مناسبة لبائعها العامل واجتماعية من اجل تحقيق الشروط الاخرى اللازمة لاستمرار وجود الطبقة العاملة. واحدى المهام الاساسية لكل نقابة هي تحقيق الهدف الاقصى من حيث عضوية النقابة، هدف ضم جميع عمال المهنة التي تمثلها الى النقابة. فنقابة عمال السكك مثلا تطمح الى جذب كافة عمال السكك الى عضويتها وكذلك كل المهن والصناعات الاخرى. وهذا هدف صعب التحقيق ولكنه الهدف الاقصى لعضوية كل نقابة.
رغم ان النقابة منظمة اقتصادية اجتماعية فان نضالها يتحول احيانا الى نضال سياسي. فالنضال الاقتصادي الاجتماعي الذي تخوضه الطبقة العاملة في النقابات هو جزء من الصراع الطبقي عموما. اذ ان النقابة حين تحاول رفع الاجور او منع البطالة او ايا من النضالات الاخرى التي تخوضها فنضالها يكون حتما ضد الطبقة الراسمالية التي تسلبها او تستطيع منحها الامور التي تطالب بها. والطبقة الراسمالية تمتلك السلطة السياسية بكامل مؤسساتها. فحين تكون مطالب النقابة او النقابات غير مقبولة لدى الطبقة الراسمالية التي تهدف دائما الى احراز اقصى الارباح فان هذه الطبقة تستخدم السلطة التي تمتلكها لقمع نضال النقابة الاقتصادي الاجتماعي. واذ ذاك يتحول نضال النقابة من نضال اقتصادي اجتماعي مجرد الى نضال سياسي. الا ان هذا النضال السياسي لا يجعل من النقابة منظمة سياسية. هو مجرد تحول معركة نضالية معينة من معركة اقتصادية اجتماعية الى معركة سياسية. ولكن النقابة تبقى مع ذلك منظمة اقتصادية اجتماعية.
جميع اعضاء النقابة متساوون في الحقوق والواجبات. فمهمة كل عضو في النقابة هي النضال من اجل تحقيق اهداف النقابة الاقتصادية والاجتماعية. ولا يمتاز عضو عن عضو اخر من اعضاء النقابة الا بنشاطه واخلاصه واستعداده للتضحية في النضال من اجل تحقيق اهداف النقابة. ليس لعضو النقابة اي امتياز يحوزه بسبب ارائه او انتمائه السياسي او اية ميزات اخرى غير النضال من اجل تحقيق اهداف النقابة. وفي خضم النضال يبرز اعضاء نقابيون تقتنع اغلبية اعضاء النقابة باخلاصهم وصحة ارائهم وصمودهم واستعدادهم للتضحية فينتخبونهم للمراكز القيادية في النقابة. فلا توجد اية صفة لعضو النقابة تؤهله للمراكز القيادية غير هذه الصفات.
ارجو من القارئ الكريم ان يسمح لي بالخروج قليلا عن الموضوع لتوضيح نقطة معينة. كل ما جاء اعلاه حول النقابة يشير الى النقابة بشكلها الطبيعي المبدئي. فلا يخص شرحي هذا للنقابة النقابات المغتصبة. واقصد بالنقابات المغتصبة النقابات التي تسيطر عليها وعلى قياداتها عناصر مفروضة على النقابة رغم ارادتها وبدون الحصول على موافقتها او عناصر لم تنتخب انتخابا طبيعيا في داخل النقابة. وظاهرة النقابات المغتصبة معروفة حيث يقوم حزب سياسي بفرض قيادة النقابة على اعضائها سياسيا وبدون ان تنتخب انتخابا حرا صحيحا من قبل اعضاء النقابة. ان احتكار العمل النقابي من قبل اي حزب سياسي يؤدي حتما الى ضعف النقابة والى ضعف الحزب نفسه. فاستيلاء الحزب على قيادة نقابة معينة يدفعه الى القيام باعمال سياسية خطيرة ظنا منه ان النقابة المغتصبة تؤيده وتسانده ولكن النقابة لا تؤيد الحزب الذي اغتصب قيادتها فيظهر ضعف الحزب وخذلانه في المعركة السياسية التي يخوضها. ان كتابتي هنا عن النقابة تتحدث فقط عن النقابة بكيانها واوصافها الطبيعية المبدئية.
النقابة، اية نقابة، تضم بشرا، تضم عددا كبيرا من العاملين في المهنة التي تمثلها النقابة وفي احسن الظروف تضم اغلبية العاملين في هذه المهنة. والناس تختلف في ارائها ومعتقداتها وانتماءاتها. لذلك فهناك بين اعضاء النقابة من لهم انتماءات سياسية وحزبية ومنهم من له انتماءات دينية او قومية او كل ما يعرفه الانسان من الانتماءات. ان الشرط الوحيد الذي يمنح العامل حق الانتماء الى النقابة هو عمله في المهنة التي تمثلها. وهناك اعضاء في النقابة لا يهتمون باي انتماء غير الانتماء الى النقابة التي تعمل على تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية لعمال النقابة. ومهما اختلفت انتماءات اعضاء النقابة السياسية او الدينية او القومية فان عملهم ونشاطهم داخل النقابة هو العمل النقابي وحده. فلا يعتبر النشاط السياسي او الديني او القومي لاي عضو جزءا من نشاطه كعضو النقابة في النضال النقابي.
وعضو النقابة الذي له انتماء سياسي او حزبي او قومي او وطني او غير ذلك يناضل نضالا مزدوجا. في الحياة النقابية يناضل كعضو نقابي وكل عمله في النقابة هو العمل من اجل بلوغ النقابة الاهداف التي تناضل من اجل تحقيقها. وفي انتمائه الاخر يناضل هذا الشخص من اجل نجاح وتطور الحزب او المنظمة او الجماعة التي ينتمي اليها. وهذا يصدق على اعضاء النقابة المنتمين الى اية حركة اخرى. وزملاء هذا الشخص في النقابة يعلمون عن انتمائه الاخر. ويكون نشاطه النقابي المحض داخل النقابة الصفة التي تجتذبه الى سائر اعضاء النقابة او تبعده عنهم. ويؤدي اخلاص واندفاع ومثابرة العضو في العمل النقابي الى اقتناع اعضاء اخرين من النقابة بان سبب اخلاصه وتضحيته وجديته في خدمة النقابة ناتج عن المبدأ الذي ينتمي اليه. وهذا ما يجعل اعضاء النقابة ينتخبون مثل هذا العضو المثابر الى المراكز القيادية للنقابة رغم علمهم بانتمائه الاخر. فاذا عرف اعضاء النقابة ان احد زملائهم ينتمي الى الحزب الشيوعي مثلا وانه من اشد زملائه اخلاصا في العمل النقابي فانهم يعزون هذا الاخلاص الى كونه شيوعيا فيميلون الى الاتجاه الشيوعي. لا يتقدم الشيوعي الى المراكز القيادية في النقابة لكونه شيوعيا وانما لاخلاصه ومثابرته ونشاطه في العمل النقابي. واذا اقتنع الاعضاء بان اخلاص هذا العضو ناجم عن كونه شيوعيا فقد يجذبهم ذلك الى الحركة الشيوعية. ويصدق ذلك على اي حزب او منظمة او حركة اخرى.
ارجو المعذرة اذا كان في الفقرة السابقة شيء من التكرار وذلك يرجع الى ان هذه النقطة هي اهم نقطة ينبغي فهمها في العمل النقابي. كثيرون يفكرون ان اختيار العضو النقابي الشيوعي مثلا للمراكز القيادية هو لانه شيوعي. وهذا خطأ شائع ومدمر للحركات النقابية والحركات الاجتماعية والثقافية وحتى للحركات الحزبية. فنشاط العضو في حركة نقابية او حركة اجتماعية او ثقافية هو الذي يؤدي الى اختياره للمراكز القيادية وليس انتماؤه الى حزب او حركة اخرى خارج النقابة.
ولكن الاحزاب السياسية والحزب الشيوعي خصوصا تحتاج الى الجماهير من اجل تحقيق اهدافها. فالحزب الشيوعي كما نعرفه قائد للطبقة العاملة والفلاحين. ولانه قائد فانه بدون جيش يقوده لا يستطيع ان ينجز اي هدف من اهدافه. والنقابات العمالية هي اكبر تجمع للجماهير العمالية وهي الاحتياط الاساسي للحزب الشيوعي للحصول على جيش يقوده في النضالات التكتيكية اليومية وفي النضال الاستراتيجي، الثورة في المرحلة التي يمر بها البلد، كالثورة البرجوازية والثورة الاشتراكية. النقابات هي المصدر الاهم للجماهير العمالية التي يقودها الحزب الشيوعي. ولذلك فان الاحزاب السياسية في اي بلد تتسابق وتتصارع من اجل كسب النقابات الى جانبها.
والسؤال في هذا الخصوص هو "ما هو اسلوب الحصول على قيادة النقابات؟" الاسلوب الطبيعي لكسب النقابات من قبل اي حزب وخصوصا من جانب حزب شيوعي هو نشاط واخلاص وتضحية ومثابرة اعضاء الحزب الشيوعي من عمال النقابات في النضال النقابي الاقتصادي والاجتماعي بحيث ان عمال النقابات يشعرون بان اعضاء هذا الحزب هم اجدر من غيرهم في قيادة النقابة فينتخبونهم للمراكز القيادية في النقابات وبهذه الطريقة يكتسب الحزب الشيوعي قيادة النقابة.
هذا الاسلوب وحده هو الذي يضمن سير النقابة تحت قيادة الحزب الشيوعي او اي حزب سياسي اخر في النضالات السياسية التكتيكية والاستراتيجية. وحصول الحزب على اغلبية في قيادة النقابات بهذه الطريقة يمنحه الثقة بوجود جيش يستطيع قيادته والاعتماد عليه في النضال السياسي. وهذا يمنح الحزب فرصة تخطيط النضالات السياسية التكتيكية والاستراتيجية استنادا الى مقدار حصوله على قيادة النقابات وبذلك تكون خططه السياسية اكثر وثوقا واشد صلابة ونجاحا. والنقابات اهم تجمعات جماهيرية يستمد الحزب الشيوعي منها اعضاء جددا في الحزب ولذلك كنا نسمي النقابات مدرسة للشيوعية.
والاسلوب الثاني هو اسلوب اغتصاب القيادة. والقيادة التي يحرزها اي حزب سياسي وخصوصا الحزب الشيوعي بهذه الطريقة قيادة غير حقيقية، قيادة لا تنشأ عن اقتناع النقابات العمالية بجدارة الحزب في قيادتها وبصحة سياسات الحزب. وفي هذه الحال تكون قيادة النقابات ظاهرة شكلية غير حقيقية. وفي مثل هذه الحالة يقوم الحزب بوضع الخطط اعتمادا على قيادته للنقابات وهي ليست مقتنعة بهذه القيادة مما يؤدي الى احباط وفشل النضالات التي يجريها الحزب على اساس ان النقابات واقعة تحت قيادته.
لا اريد في هذا المقال ادراج امثلة تآريخية على هذين الاسلوبين في كسب الاحزاب الشيوعية لقيادة النقابات. ولكن الامثلة كثيرة في تاريخ هذه الاحزاب

mercredi 22 septembre 2010

لينين:رسالة إلى رفيق في مهامّنا التّنظيميّة

رسالة إلى رفيق حول مهامنا التنظيمية طباعة البريد الإلكترونى
لينين   

كتبه لينين سنة 1902

الرفيق العزيز،


يسرني أن أنزل عند طلبك وأقوم بنقد مسودة أعدت من قبلك بخصوص«منظمة الحزب الثوري في سانت بطرسبورغ» (التي أرجح أن المقصود بها تنظيم عمل حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في بطرسبورغ). ولما كانت المسألة التي طرحتها على درجة بالغة من الأهمية، فإن من الواجب أن يشترك في مناقشتها كافة أعضاء لجنة سانت بطرسبورغ، لا بل جميع الاشتراكيين الديمقراطيين في عموم روسيا.

اسمح لي، في البداية، أن أعبر لك عن اتفاقي الكامل مع الإيضاح الذي بينت فيه عدم صلاحية التنظيم السابق لـ«العصبة» (أو«الطراز العصبوي»على حد تعبيرك). فأنت تشير إلى انعدام التدريب الجاد والتربية الثورية بين أوساط العمال المتقدمين والى ما يسمى نظام الاختيار الذي يؤيده أنصار، رابوتشي ديلو بزهو ومكابرة متناهيين بزعم استناده إلى المبادئ «الديمقراطية» كما أنك تشير إلى اغتراب العمال عن النشاط الفعال.

فالقضية بالتحديد هي:

1/ الافتقار إلى التدريب الجاد والتربية الثورية (لا بين العمال وحسب وإنما بين المثقفين كذلك).

2/ التطبيق غير المناسب والمسرف لمبدأ الاختيار.

3/ اغتراب العمال عن النشاط الثوري الفعال – هذا هو مكمن النقص الأساسي الذي تعاني منه بالفعل منظمة سانت بطرسبورغ وكثير غيرها من المنظمات المحلية لحزبنا.

إنني متفق كل الاتفاق مع وجهة نظرك الأساسية بصدد المهمات التنظيمية بالقدر الذي أفهم فيه خطوطها العامة كما وردت في الرسالة التي استلمتها منك.

وأتفق معك بالأخص اتفاقا تاما بأن الواجب يدعونا إلى أن نشدد بصفة خاصة على المهمات المرتبطة بالعمل على روسيا كلها وبعمل الحزب ككل. وينعكس هذا في الفقرة الأولى من مسودتك، حيث أنك تبادر إلى القول «أن صحيفة أيسكرا التي لها مراسلين دائمين بين العمال وتربطها صلة وثيقة بالعمل داخل التنظيم، هي المركز القيادي للحزب (لا للجنة أو منطقة من المناطق فحسب)» ولا أبغي هنا إلى الإشارة إلى أن الجريدة يمكن وينبغي أن تكون القائد الإيديولوجي للحزب، تنمي الحقائق النظرية والأسس التكتيكية والأفكار التنظيمية العامة والمهمات التي يجابهها الحزب بصورة عامة في وقت من الأوقات. غير أن القائد العملي المباشر للحركة لا يمكن ان يكون الا مجموعة مركزية خاصة (ولنطلق عليها اتفاقا اسم اللجنة المركزية، مثلا). هذه المجموعة هي التي تديم الصلات المباشرة بكافة اللجان وتظم أفضل القوى الثورية بين الاشتراكيين الديمقراطيين الروس وتقوم بإدارة كافة الشؤون العامة للحزب مثل توزيع الأدبيات وإصدار البيانات وتوزيع القوى وتنسيب الأفراد والجماعات للقيام بالمهمات الخاصة والإعداد للمظاهرات والانتفاضة على نطاق روسيا كلها، الخ. ولما كان من الضروري الحفاظ على أقصى قدر من سرية التنظيم وتأمين الاستمرارية للحركة، لهذا يمكن لحزبنا ويجب عليه أن يمتلك مركزين قياديين هما ص.م(الصحيفة المركزية) و ل. م(اللجنة المركزية)، تقع على الأول مسؤولية القيادة الإيديولوجية وعلى الثاني مسؤولية القيادة المباشرة والعملية. من الضروري تأمين وحدة العمل والتعاضد المطلوب بين هاتين المجموعتين لا من خلال برنامج واحد للحزب وحسب وإنما من خلال تركيب كلا المجموعتين أيضا (إذ أن المجموعتين ص.م و ل.م يجب أن تتألفا من أشخاص ينسجمون فيما بينهم انسجاما كليا) وعقد كونفرنس مشترك بصورة دورية ومنتظمة. في تلك الحالة فقط يمكن أن تكون الصحيفة المركزية، من جهة، بعيدة عن متناول الشرطة الروسية ويضمن لها الثبات والاستمرارية، في نفس الوقت الذي تكون فيه اللجنة المركزية منسجمة مع الصحيفة المركزية بخصوص جميع القضايا الأساسية وتتمتع بصلاحية كافية لتتولى أمر العناية بكافة الجوانب العملية من الحركة بصورة مباشرة.

لهذا فإن من المستحسن أن لا تشير الفقرة الأولى من النظام الداخلي(كما وردت في مسودتك) فقط إلى أي من صحافة الحزب يجب اعتبارها الصحيفة المركزية (وهذا ضروري بالطبع) بل أن عليها أن تنص كذلك على قيام المنظمة المحلية المعنية بمهمة العمل بنشاط في سبيل خلق تلك المؤسسات المركزية التي لا يمكن للحزب أن يوجد من دونها، وإسناد هذه المؤسسات ومن ثمة تعزيزها.

ثم. تقول في الفقرة الثانية أن اللجنة ينبغي أن«توجه المنظمة المحلية» (وقد يكون من المستحسن القول: «العمل المحلي كله وسائر منظمات الحزب المحلية»، بيد أني لا أريد الاستغراق في تفصيلات تتعلق بالصياغة) وتتألف من عمال ومثقفين معا، لأن من شأن تقسيمها أن لا يؤدي إلا إلى الضرر. وهذا صحيح جدا ولا ريب. ينبغي أن لا تكون هناك إلا لجنة واحدة لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي ومن الواجب أن تتألف هذه اللجنة من اشتراكيين ديمقراطيين يمتلكون قناعة تامة ويكرسون أنفسهم تكريسا تاما إلى النشاطات الاشتراكية الديمقراطية. علينا أن نقوم بسعي خاص من أجل توفير أكبر عدد ممكن من العمال الذين يملكون وعيا طبقيا مكتملا ويعملون كثوريين محترفين وأعضاء في اللجنة (1). وحال أن تصبح هناك لجنة منفردة لا مزدوجة. حتى تحتل مسالة المعرفة المباشرة لأعضاء اللجنة بعدد واسع من العمال أهمية خاصة. ولكي نأخذ زمام القيادة في كافة الشؤون التي تجري داخل أوساط العمال، يجب أن نكون قادرين على الوصول إلى جميع الأحياء وان نعرف أكبر عدد من العمال وأن تكون تحت تصرفنا مختلف سبل الاتصال، الخ.الخ. لهذا السبب ينبغي أن تنضم اللجنة، قدر الإمكان بين صفوفها كافة القادة الرئيسيين في حركة الطبقة العاملة من بين العمال أنفسهم. وعليها أن توجه كافة جوانب الحركة المحلية وتتولى أمر العناية بكافة المؤسسات والقوى والموارد المحلية التي تحت تصرف الحزب. أنت لا تذكر شيئا عن الكيفية التي يجب بها تشكيل اللجنة ــوالأرجح أن علينا هنا أن نتفق معك بان من الناذر أن تستدعي الضرورة توفر قواعد خاصة في هذا الشأن. فالكيفية التي تتشكل بها إنما هي مسألة يقررها الاشتراكيون الديمقراطيون أنفسهم عند الحاجة، إلا أنه قد تبقى هناك ضرورة للإشارة إلى وجوب إضافة أعضاء جدد إلى اللجنة بقرار تتخذه أغلبية (أو ثلثي، الخ) أعضائها وعلى اللجنة أن تتأكد بأن قائمة اتصالاتها قد أودعت إلى جبهة موثوقة، من وجهة ثورية، وأمينة، بالمعنى السياسي، وأنها قامت سلفا بإعداد قائمة بالأعضاء المرشحين إليها. بعد قيام لجنة الصحيفة المركزية يجب التوقف عن تشكيل أية لجان جديدة إلا من خلال التعاون معهما وبموافقتهما. يجب أن لا تضم اللجان، قدر المستطاع، عدد واسعا من الأعضاء في صفوفها (لكي يكون بالإمكان تأليفها من أناس يملكون حظا جيدا من التعليم، ويتقن كل منهم فنون الفرع الذي يعمل فيه من فنون النشاط الثوري) بيد أنها ينبغي أن تظم في الوقت نفسه عددا يكفي لتولي أمر العناية بكافة جوانب العمل وضمان التمثيل الكامل والقرارات الملزمة. وإذا صادف أن كان عدد الأعضاء كبيرا للغاية وكان أمر اجتماعهم محفوفا بالمخاطر في غالب الأحيان فقد يكون من الضروري عندها انتقاء مجموعة تنفيذية خاصة وصغيرة للغاية من بين أعضاء اللجنة (على أن لا يزيد العدد عن خمسة مثلا، وحتى اقل من ذلك). ولابد أن تضم هذه المجموعة سكرتير اللجنة والأعضاء الذين يتمتعون بأفضل مقدرة على التوجيه العملي لسائر جوانب العمل. من الأهمية بمكان توفير أعضاء احتياط لهذه المجموعة حتى لا تستدعي الضرورة إيقاف العمل وقت الاعتقالات. ويجب أن تخضع نشاطات المجموعة التنفيذية وعضويتها، الخ إلى موافقة اجتماع عام تعقده اللجنة .

ثم انك تقترح تشكيل المؤسسات التالية بعد اللجنة شريطة أن تكون خاضعة لها:

1/ اجتماعات المناقشة(كونفرسات «أفضل»الثوريين).

2/ حلقات المنطقة.

3/ حلقة للدعاة ملحقة بكل حلقة من تلك الحلقات.

4/ حلقات المصنع.

5/ «اجتماعات ممثلي» المندوبين من حلقات المصنع في منطقة معينة.

أتفق معك تماما بأن كافة المؤسسات اللاحقة والتي ينبغي أن يوفر منها عدد كبير للغاية وعلى درجة متناهية من التنوع، إضافة إلى تلك التي أتيت على ذكرها، يجب أن تكون خاضعة إلى اللجنة، وأن من الضروري أن تكون هناك مجموعات منطقة (للمدن الكبيرة جدا) ومجموعات مصنع (دوما وفي جميع الأماكن). لكن يبدو أنني لا أتفق معك تمام الاتفاق حول عدد من التفصيلات. منها على سبيل المثال ما يتعلق بــ«اجتماعات المناقشة» التي أعتقد أنها غير ضرورية على الإطلاق. ينبغي أن يكون «أفضل» الثوريين في اللجنة أو ينخرطون في مهمات خاصة (الطباعة، النقل، الجولات التحريضية، تنظيم مكتب للجوازات، مثلا، أو فصائل صدامية لمكافحة الجواسيس والمندسين أو مجموعات في الجيش، الخ).

تعقد«الكونفرسات» في اللجنة وفي كل منطقة، وفي كل حلقة من حلقات الدعاية والمهنة (النساجين، الميكانيكيين والدباغين، الخ)والطلبة والأدب الخ. فلماذا يجب أن نجعل من الكونفرسات مؤسسة خاصة؟

ثم إنكم تطالبون لسبب مبرر تماما بفتح باب الكتابة إلى أيسكرا مباشرة أمام «كل من يريد ذلك» عدا أن كلمة «مباشرة» ينبغي أن لا يفهم منها بأن كل من يريد ذلك يجب أن تيسر له سبل الوصول إلى مكتب التحرير أو عنوان الجريدة، إنما يكون من الملزم تسليم (أو إرسال) المراسلات الموجهة إلى المحررين من كافة الراغبين بذلك. طبيعي يجب أن تكون العناوين معروفة إلى حلقة واسعة نسبيا. إلا أن من الضروري عدم إعطائها لأي كان بل فقط إلى الثوريين الموثوقين الذين يعتد بمقدرتهم على التقيد بمتطلبات السريةــ وقد لا يشمل هذا شخصا فقط في كل منطقة، مثلما تقترح، وإنما عدة أشخاص. كما أن من الواجب أن يكون لجميع الذين يساهمون في عملناــ جميع الحلقات منفردة ومجتمعة ــ حق لفت انتباه اللجنة إلى قراراتهم ورغباتهم وطلباتهم، وليس اللجنة وحدها بل وص.م و ل.م كذلك، فإذا ما ضمنا هذا ستتمتع سائر كونفرسات موظفي الحزب بمزية الحصول على المعلومات الكاملة من دون أن تكون مضطرة إلى تأسيس أي شيء بالغ الإرهاق ومتناقض مع قواعد السرية مثل «اجتماعات المناقشة». طبيعي، ينبغي علينا أن نحاول كذلك ترتيب الكونفرسات الشخصية لأكبر عدد ممكن من الموظفين دون استثناء. بيد أن كل شيء هنا يتوقف على مراعاة السرية. فالاجتماعات والتجمعات العامة غير ممكنة في روسيا إلا في أحوال ناذرة وفي حالات استثنائية. ولهذا فان من الضروري مضاعفة حذرنا عند السماح إلى«أفضل الثوريين» بحضور مثل هذه الاجتماعات، طالما كان من اليسير على المندسين الحضور إليها أو على الجواسيس تعقيب بعض المساهمين في الاجتماع(2).سوف يكون من الأفضل كما اعتقد أن نعمل على النحو التالي: عندما تتوفر إمكانية لتنظيم اجتماع كبير عام (يضم بين 30 إلى 100 شخص مثلا، أثناء الصيف في الغابات أو في شقة سرية توفرت فيها احتياطات أمنية خاصة لهذا الغرض.

يجب على اللجنة أن تبعث بشخص واحد أو شخصين من«أفضل الثوريين» وتتأكد بأن الناس المناسبين هم الذين يحضرون الاجتماع، أي، أن توجه الدعوة، مثلا، إلى أكبر عدد من الأعضاء الذين يوثق بهم في حلقات المعمل، الخ. إلا أن من الضروري أن لا يكون لهذه الاجتماعات أي محضر رسمي وأن لا تثبت في النظام الداخلي ولا أن تعقد بصورة منظمة. كما ينبغي عدم وضع الترتيبات على نحو يتيح لكل من يحضر الاجتماع معرفة الآخرين هناك، أي أن يعرف كل واحد أنه«ممثل» لإحدى الحلقات، الخ. لهذا تراني لا أعارض فقط «اجتماعات المناقشة» وإنما «اجتماعات الممثلين» على حد سواء. بدلا من هاتين المؤسستين، أقترح وضع قاعدة لهذا الغرض. يجب على اللجنة السعي إلى تنظيم اجتماعات واسعة تضم أكبر عدد ممكن من المساهمين الذين يأخذون على عاتقهم تنفيذ المهمات العملية في الحركة، وللعمال بصورة عامة. تقوم اللجنة بتحديد زمان ومكان الاجتماع والمناسبة الداعية إلى انعقاده، ويعهد إلى اللجنة مسؤولية إجراء الترتيبات السرية لمثل هذه القضايا. بديهي أن تنظيم تجمعات للعمال ذات طابع أقل رسمية أثناء النزهات أو التجول في الغابات، الخ لا يتقيد بهذه القاعدة أبدا. وقد يكون من المستحسن أن لا يجري ذكرها مطلقا في النظام الداخلي.

ثم. مجموعات المنطقة. أتفق معك تماما أن من بين أهم المهمات التي يجب أن تنهض بها هي تنظيم توزيع الأدبيات بصورة مناسبة. وأعتقد أن على مجموعات المنطقة أن تلعب من حيث الأساس دور الوسطاء بين اللجان والمعامل، وسطاء بل وحتى مراسلين. ينبغي أن تكون المهمة الرئيسية لها التوزيع المناسب للأدبيات المستلمة من اللجنة بالصورة التي تتفق مع قواعد السرية. وهذه مهمة على درجة بالغة من الأهمية، لأننا إذا استطعنا أن نؤمن صلة منتظمة بين مجموعة توزيع خاصة بالمنطقة وسائر العمال في تلك المنطقة وكذلك بأكبر عدد ممكن من بيوت العمال في المنطقة نفسها فان ذلك سوف يكتسب قيمة كبيرة سواء لأغراض المظاهرات أم لتنظيم انتفاضة. إن ترتيب وتنظيم التسليم المناسب والسريع للأدبيات والمنشورات والنداءات الخ، وتدريب شبكة من الوكلاء لهذا الغرض معناه إنجاز القسم الأعظم من العمل التحضيري لقيام مظاهرات أو انتفاضة في المستقبل. ففي أوقات الاضطرابات أو عند حدوث إضراب أو غليان يكون قد فات للشروع بتنظيم توزيع الأدبيات، إذ أن مثل هذا العمل لا يمكن بناءه إلا على نحو تدريجي وذلك من خلال جعل التوزيع إلزاميا مرتين أو ثلاث مرات من الشهر الواحد. وإذا لم تتوفر الصحف، فإن من الممكن والواجب توزيع المنشورات لأن ماكنة التوزيع ينبغي أن لا تبقى عاطلة مهما كانت الأسباب. وبهذا السبب يجب أن يرفع مستوى هذه الماكنة إلى درجة الكمال لكي يكون بالإمكان إعلام وتعبئة كافة أبناء الطبقة العاملة في سانت بطرسبورغ بين ليلة وضحاها، إذا جاز التعبير، وهذا الهدف ليس نوعا من الطوباوية أبدا، شريطة أن يتوفر هناك إرسال منتظم من المركز إلى أضيق حلقات الوسطاء ومن هذه إلى الموزعين. وحسب اعتقادي يجب أن لا تتجاوز وظائف مجموعات المنطقة حدود عمل الوساطة والإرسال، وإذا شئنا الدقة، يجب أن لا يتوسع عملها إلا بعد اتخاذ أقصى الحيطة وإلا فلن يؤدي ذلك إلا إلى تعاظم خطر الانكشاف وتعريض سلامة العمل إلى الضرر. طبيعي، تجري كونفرنسات مناقشة جميع المسائل المتعلقة بالحزب داخل حلقات المنطقة أيضا، بيد أن من الواجب اتخاذ القرارات التي تخص كافة المسائل العامة للحركة المحلية من قبل اللجنة وحدها. ويجب عدم السماح لمجموعات المنطقة بان تتصرف كما يحلو لها إلا في المسائل التي تخص الجانب الفني للإرسال والتوزيع. ينبغي أن يناط تركيب مجموعات المنطقة باللجنة، بمعنى أن اللجنة تعين احد أعضائها أو اثنين منهم (أو حتى بعض الرفاق ممن ليسوا أعضاء في اللجنة) كمندوبين إلى هذه المنطقة أو تلك وتزويدهم بتعليمات تتعلق بتشكيل مجموعة منطقة يعين جميع أعضائها في مناصبهم، إذا صح التعبير، من قبل اللجنة. فمجموعة المنطقة هي فرع للجنة لا تستمد صلاحياتها إلا من هذه الأخيرة.

_________________________

(1): علينا أن نحاول إدخال عمال ثوريين إلى اللجنة يمتلكون أوسع الصلات بجماهير العمل، وأفضل «سمعة».

(2): لا بد أن يفهم العمال انه في الوقت الذي يكون فيه قتل الجواسيس والمندسين والخونة أمر لا محيد عنه تماما في بعض الأحيان، طبعا، إلا أن من غير المستحسن ومن الخطأ الفاحش أن نحول ذلك إلى نظام . إن علينا أن نسعى إلى خلق منظمة قادرة على شل الجواسيس عن طريق تعريتهم وتعقبهم إلا أن من المستحيل القضاء على جميع الجواسيس.

 

 

أنتقل الآن إلى مسألة حلقاة الدعاة. من المحال تقريبا تنظيم مثل هذه الحلقات بصورة منفصلة في كل منطقة على حدة ويعود ذلك إلى ندرة قوى الدعاة لدينا كما أن من النادر أن يكون ذلك مستحسنا فالدعاية يجب القيام بها بروحية واحدة من قبل اللجنة كلها وينبغي أن تكون مركزية تماما. لهذا فان رأيي حول هذه المسألة يلخص كالتالي:

تصدر اللجنة تعليماتها إلى عدد من أعضائها لتنظيم مجموعة من الدعاة (تكون فرعا من فروع اللجنة أو واحدة من المؤسسات التابعة لها ) ولفرض الحفاظ على سرية العمل، على هذه المجموعة أن تستفيد من خدمات مجموعات المنطقة وتقوم بالدعاية في سائر أرجاء البلدة وضمن كافة الأحياء «الداخلة ضمن اختصاص» اللجنة. وإذا استدعت الضرورة، يحق لهذه المجموعة إقامة عدد من المجموعات المتفرعة، تعهد إليها، مثلا، بقسم من وظائفها، غير أن كل هذا لا يمكن القيام به من دون موافقة اللجنة التي لها دائما أن تمتلك الحق غير المشروط في إرسال من ينوب عنها إلى أية مجموعة أو مجموعة متفرعة أو حلقة، مهما كانت صلتها بالحركة.

يجب تبني نفس نمط التنظيم ونفس النوع من فروع اللجنة أو مؤسساتها في مختلف المجموعات العاملة في الحركة بكافة أشكالها ــ المجموعات الطلابية في المدارس العالية والثانوية، المجموعات المؤيدة لنا بين موظفي الحكومة، مثلا، مجموعات النقل والطباعة والجوازات، مجموعات تنظيم أماكن الاجتماعات السرية، مجموعة تعقيب الجواسيس، المجموعات العسكرية، مجموعات تزويد السلاح، مجموعات تنظيم «المشروعات المربحة ماليا»، مثلا، الخ. يجب أن يقوم كامل فن إدارة التنظيم السري على الاستفادة من كل ما هو ممكن، وفي «إعطاء كل فرد واجبا يقوم به» في عين الوقت الذي يجري فيه الاحتفاظ بقيادة الحركة كلها لا بفضل الصلاحيات التي تتمتع بها فقط وإنما بفضل النفوذ والإمكانية وتوفر قدر أعظم من الخبرة والقدرات المتعددة والموهبة. وهذه الملاحظة أبديتها للرد على اعتراض منتظر ومعتاد بأن المركزية الصارمة يمكن أن تقوض الحركة بمنتهى السهولة إذا حدث وكان في المركز شخص غير مقتدر تناط به سلطات واسعة. هذا ممكن بطبيعة الحال، بيد أن تحاشيه باللجوء إلى مبدأ الاختيار واللامركزية، التي لا يجوز تطبيقها على نطاق واسع في ظل الحكم الأوتوقراطي. ولا يمكن لأي نظام داخلي أن يوفر سبل الوقوف بوجهه. فمثل هذه السبل لا تتوفر إلا من خلال إجراءات «التأثير الرفاقي»، ابتداء من قرارات كل مجموعة متفرعة سوية وعلى انفراد، مقترنة بنداءاتها إلى ص.م و ل.م وانتهاء بإزاحة الأشخاص المسؤولين (إذا سارت الأمور من سيء إلى أسوأ) الذين لا تتوفر لديهم القدرة إطلاقا. يجب على اللجنة أن تسعى إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من تقسيم العمل الثوري من قابليات متنوعة وما يصادف أحيانا من وجود شخص قد لا ينفع أبدا كمنظم ولكنه ربما أصبح محرضا لا يقدر بثمن أو شخص لا تتوفر فيه الصفات المطلوبة في أداء العمل السري الدقيق لكنه يمكن أن يصبح داعية ممتازا، الخ.

ولما كنا لا نزال في موضوع الدعاة، أود بالمناسبة أن أوجه انتقادا موجزا إلى الممارسة المعتادة التي تـتخم هذا العمل بأناس لا قبل لهم عليه فيؤدي ذلك بالنتيجة إلى انخفاض مستوى الدعاية. هناك عادة تتفشى أحيانا بيننا وهي اعتبار كل طالب بمثابة داعية، من دون تمييز كما أن كل شاب يطالب لنفسه إسناد حلقة من حلقات الدعاية إليه الخ. يجب الوقوف ضد هذه الممارسة لأنها مصدر لكثير من الضرر. هناك عدد قليل للغاية من الدعاة الذين يتصفون بمبدئية ثابتة ويتمتعون بمقدرة حقة (و لكي يصل المرء الى هذا المستوى ،عليه ان يبذل مجهودا كبيرا في الدرس و تكديس الخبرة).اناس مثل هؤلاء يجب ان يتخصصوا اذن ولكن في مثل هذا النوع من العمل، تخصصا كليا و تبذل لهم العناية الفائقة. ينبغي ان يلقى هؤلاء الناس عددا من المحاضرات كل اسبوع ويرسلون الى المدن الاخرى اذا اقتضت الضرورة .وعلى العموم يجب ان يقوم الدعاة المتمكنون بجولات في مختلف المدن الصغيرة و الكبيرة. غير ان من اللازم ان تعهد الى جمهرة الشباب المهمات العملية اساسا ، التي يجري تجاهلها الى حد ما بالمقارنة مع ادارة الطلبة للحلقات التي يطلق عليها ظلما اسم حلقات «الدعاية» . طبيعي ان يكون التدريب الشامل مطلوبا كذلك في المشروعات العملية الخطيرة . مع هذا فان من الممكن توفير العمل في هذا الحقل بسهولة الى «المبتدلين» ايضا.

ننتقل الان الى حلقات المصنع .تتسم هذه باهمية خاصة بالنسبة لنا .فالمصانع الواسعة (و المعامل) لا تضم القسم الغالب من الطبقة العاملة، عدديا، وحسب بل واكثر من ذلك انها تضم اكبر اقسامها نفوذا وتطورا وقدرة على الكفاح . ينبغي ان نجعل من كل مصنع حصنا لنا . لذلك يجب ان تكون منظمة كل «مصنع» سرية من الداخل بقدر ما هي «متشبعة» من الخارج، أي انها في علاقاتها الخارجية يجب ان تمد مجالاتها الى ابعد مسافة ممكنة وباكثر ما يكون من الاتجاهات مثلما هو مطلوب من اية منظمة ثورية .على ان اؤكد كذلك ،هنا، ضرورة ان تكون مجموعة من الثوريين هي النواة، القائد،«المعلم». ولا بد ان نبتعد كلية عن النمط التقليدي للمنظمات الاشتراكية الديمقراطية العمالية الصرف او النقابية الصرف، بما في ذلك حلقات«المصنع» . فمجموعة المصنع او لجنة المصنع (المعمل) — تميزا لها عن المجموعات الاخرى التي ينبغي ان يتوفر منها عدد كبير — ينبغي ان تتالف من عدد صغير للغاية من الثوريين الذين يتلقون التعليمات و الصلاحيات التي يتمتعون بها لمواصلة العمل الاشتراكي الديمقراطي باجمعه في المصنع من اللجنة مباشرة . حتى ان عضو لجنة المصنع علية ان يعتبر نفسه وكيلا من وكلاء اللجنة، ملزما بالخضوع الى جميع اوامرها و التقيد بكافة «القوانين و الاعراف» الخاصة «بجيش في الميدان» انضوى تحت لوائه ولم يعد له الحق في التغيب عنه ايام الحرب دون اجازة رسمية . لذلك فان تركيب لجنة المصنع مسالة تتمتع باهمية بالغة، وتعد من بين الواجبات الرئيسية للجنة السهر على توفير التنظيم المناسب لهذه اللجان المتفرعة. وهذا هو تصوري لها :تصدر اللجنة الاوامر الى قسم من اعضائها (اضافة الى بعض العمال، مثلا، ممن لم يجر ضمهم الى عضوية اللجنة لهذا السبب اوذاك ولكنه على قدر كبير من الفائدة بفضل الخبرة التي يتمتع بها ومعرفته بالناس والذكاء و الصلات التي تربطه بالاخرين) لتنظيم اللجان المتفرعة في سائر الامكنة . تتشاور هذه المجموعة مع ممثلي المنطقة وترتب اجراء عدد من الاجتماعات وتدقق تدقيقا شاملا في الاعضاء المرشحين للجان المصنع المتفرعة و تخضعهم الى استجواب دقيق وتضعهم قيد الاختيار كلما دعت الضرورة لذلك وتحاول بصورة مباشرة ان تفحص وتدقق اكبر عدد ممكن من الاعضاء المرشحين الى اللجان المتفرعة الى المصنع المعني وتقدم في خاتمة المطاف قائمة باعضاء كل حلقة من حلقات المصانع الى اللجنة للموافقة عليعا او تقترح اعطاء الصلاحية الى عامل محدد لكي يؤسس او ينتقي لجنة متفرعة كاملة. بهذه الطريقة يمكن لللجنة ان تحدد من يبقى من هؤلاء الوكلاء على صلة معها وكيف يمكن ادامتها (كقاعدة عامة من خلال ممثلي المنطقة، غير ان هذه القاعدة من الممكن استكمالها وتعديلها). ونظرا لما لهذه اللجان المتفرعة للمصنع من اهمية . يجب علينا ان نسهر قدر الامكان حتى تمتلك كل لجنة متفرعة عنوانا تستطيع بواسطته توجيه اتصالاتها ب ص.م. وايداع قائمة اتصالاتها في مكان امين (أي ان المعلومات المطلوبة لاعادة تاسيس اللجنة المتفرعة على الفور في حالة الاعتقالات تنقل بصورة منتظمة وكاملة الى مركز الحزب ولهذا يجب الاحتفاظ بها في مكان امين لا تستطيع ان تصل اليه الشرطة الروسية) ،تبعا لما تراه وعلى اساس الوقائع التي بحوزتها. لا على اساس حق لا وجود له بتوزيع هذه العناوين توزيعا «ديمقراطيا» .

وأخيرا ، فقد لا يكون أمرا زائدا عن اللزوم الإشارة إلى أن الضرورة ربما حتمت أحيانا أو كان من المناسب أكثر,الاقتصار على تعيين وكيل واحد من اللجنة (وبديل عنه) بدلا من تشكيل لجنة متفرعة للمصنع تتكون من عدة أعضاء.فور تكوين هذه اللجنة عليها الشروع بتنظيم عدد من مجموعات وحلقات المصنع تقوم بمختلف المهمات وتتفاوت من حيث درجة السرية والشكل التنظيمي.مثلا,حلقات لاستلام وتوزيع الأدبيات (وهذه من أهم الوظائف التي ينبغي تنظيمها بهدف أن توفر لنا خدمات بريدية حقة تعود لنا ومن اجل أن تكون بحوزتنا طرقا مجربة وفعالة لا لتوزيع الأدبيات فقط وإنما لتسليمها إلى البيوت كذالك وتوفير معلومات محددة بعناوين العمال وطرق الوصول إليها) وحلقات لقراءة الأدبيات الممنوعة ومجموعات لتعقب الجواسيس وحلقات لإعطاء توجيه خاص إلى الحركة النقابية والكفاح الاقتصادي,حلقات المحرضين الدعاة تعرف كيف تثير الأحاديث الطويلة وتواصلها بطريقة مشروعة تماما (حول المكائن,المفتشين,الخ ) وبذالك تكون قادرة على التحدث باطمئنان وعلانية وتستطيع التعرف على الناس وتستكشف حقيقة أوضاع,الخ(3 ).على اللجنة المتفرعة للمصنع أن تحاول شمول المصنع كله والقسم الأكبر من العمال وتكون لها شبكة من جميع أشكال الحلقات(أو الوكلاء).إن نجاح اللجنة المتفرعة في نشاطاتها ينبغي أن يقاس استنادا إلى وفرة عدد مثل هذه الحلقات وامتلاكها للدعاة المتجولين وقبل كل شيء صحة العمل المنظم في توزيع الأدبيات وجمع المعلومات والمراسلات.

باختصار, يجب أن يكون النمط العام، حسب ما أرى، كالتالي: لابد أن تكون هناك لجنة على رأس الحركة المحلية بأسرها، للنشاطات الاشتراكية الديمقراطية المحلية كلها. عن هذه اللجنة تتفرع المؤسسات والفروع التابعة لها مثل أولا شبكة الوكلاء التنفيذيين التي تضم (قدر الإمكان) جمهرة الطبقة العاملة كلها وتنظم على شكل مجموعات منطقة ولجان متفرعة للمصنع (أو المعمل). تنخرط هذه الشبكة وقت السلم في توزيع الأدبيات والبيانات والنداءات والاتصالات السرية باللجنة وتنظم في أوقات الحرب المظاهرات وغيرها من النشاطات الجماعية. ثانيا، تتفرع اللجنة كذلك إلى حلقات ومجموعات من شتى الأنواع تخدم الحركة كلها (دعاية، نقل، سائر أشكال النشاط السري، الخ) وعلى كافة المجموعات والحلقات واللجان المتفرعة الخ، التمتع بمركز لجنة ولجنة متفرعة. قسم منها سيعلن جهارا عن رغبته في الانضمام إلى حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، وإذا وافقت اللجنة على ذلك فإنه سينضم إلى الحزب ويتعهد بأداء وظائف محددة (بأوامر من اللجنة أو بالاتفاق معها)، وعليه أن يطيع أوامر أجهزة الحزب وتكون له نفس حقوق الأعضاء الآخرين ويعتبر في الحال مرشحا إلى عضوية اللجنة، الخ.. آخرون سوف لن ينضموا إلى عضوية حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي بل ينتظمون بحلقات يشكلها أعضاء الحزب أو تكون لهم علاقة بإحدى المجموعات الحزبية أو الأخرى، الخ.

أما فيما يخص بالمسائل الداخلية فيكون جميع أعضاء هذه الحلقات على قدم المساواة مع جميع أعضاء اللجنة. الاستثناء الوحيد هو حق الاتصال المباشر باللجنة المحلية (وكذلك ل.م و ص.م.)الذي يقتصر على شخص (أو أشخاص) يعينون لهذا الغرض من قبل اللجنة. هذا الشخص أو الأشخاص يبقون في كافة المجالات الأخرى على قدم المساواة مع الآخرين اللذين يكون من حقهم تقديم البيانات(لا بصفتهم الشخصية) إلى اللجنة المحلية والى ل.م.و ص.م. ويترتب على ذلك أن الاستثناء المشار إليه لن يشكل أي انتهاك أبدا لمبدأ المساواة، إنما هو مجرد تنازل ضروري لمتطلبات العمل السري التام. إن عضو اللجنة الذي يمتنع عن نقل اتصال من قبل جماعته «هو» إلى اللجنة أو ل.م أو ص.م. يكون مذنبا بتهمة الخرق المباشر لواجب حزبي. ثم إن درجة سرية مختلف الحلقات والشكل التنظيمي لها سيتوقف على طبيعة الوظائف. ولهذا فسوف تكون المنظمات تبعا لذلك متنوعة للغاية (تتراوح ما بين نمط التنظيم الأشد ضيقا وصرامة وأكثره محدودية إلى النمط «الأكثر حرية» وسعة وانفتاحا الذي لا يقوم على أساس صارم). على سبيل المثال، يجب الحفاظ على السرية التامة والضبط العسكري في مجموعات التوزيع. كما أن من الضروري الحفاظ على السرية في مجموعات الدعاة، ولكن الضبط العسكري فيها أيضا يكون أقل بدرجة كبيرة. كما تتطلب مجموعات قراءة الأدبيات الممنوعة أو تنظيم المناقشات حول الحاجات والمطالب النقابية أقل سرية من ذلك، وهلم جرا. يجب أن تكون مجموعة التوزيع تابعة إلى حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي ولديها معرفة بعدد محدد من أعضائه وموظفيه. ولا يشترط بمجموعات دراسة ظروف العمل وصياغة المطالب النقابية أن تكون تابعة إلى حزب العمال الاشتراكي الروسي. كما أن على مجموعات الطلبة والضباط أو موظفي الدولة المنخرطة في التثقيف الذاتي بالاشتراك مع أحد أعضاء الحزب أو اثنين أن لا تشعر أحيانا بأن لهذا التثقيف أدنى علاقة بالحزب، الخ. بيد أننا نطالب في حالة واحدة مطالبة قاطعة بأقصى درجة من التنظيم في سائر هذه المجموعات المتفرعة وتلك هي أن كل عضو من أعضاء الحزب ينتمي إلى مجموعة كهذه مسؤول مسؤولية رسمية عن توجيه العمل في المجموعة أن عليه اتخاذ كل إجراء يراه مناسبا حتى يكون تركيب كل مجموعة من هذه المجموعات أو ميكانيزم عملها كله ومحتوى ذلك العمل معروفا إلى أقصى حد ممكن إلى ل.م. و ص.م. وهذا أمر تستدعيه الضرورة حتى تكون عند المركز صورة كاملة عن الحركة كلها ويكون اختيار مختلف المراكز الحزبية من بين أوسع دائرة ممكنة من الناس وتتعلم كافة المجموعات ذات الطابع المتماثل في سائر أرجاء روسيا الواحدة إثر الأخرى(بواسطة المركز) وتحذر في حالة ظهور مندسين أو مشبوهين. وباختصار فإن الأمر ضروري ضرورة مطلقة وحيوية في جميع الحالات.

كيف يمكن تحقيق ذلك؟ عن طريق تقديم تقارير منظمة إلى اللجنة، إرسال أكبر قدر من محتوى أكبر عدد من التقارير إلى ص.م.، اتخاذ الترتيبات التي تسهل على أعضاء ل.م. واللجنة المحلية زيارة مختلف الحلقات، وأخيرا جعل أمر تسليم قائمة الاتصالات مع هذه الحلقات أمرا إلزاميا إلى اللجنة وإلى المكتب الحزبي ل ص.م. و ل.م.، أي أسماء وعناوين عدد من أعضاء كل حلقة لغرض صيانتها. من غير الممكن اعتبار عضو الحزب الذي ينتمي إلى واحدة من هذه الحلقات قد أدى واجبه إلا عند تقديم التقارير وإرسال الاتصالات. وفي تلك الحالة فقط يكون الحزب كله في وضع يستطيع فيه أن يتعلم من كل حلقة تقوم بتنفيذ العمل التنظيمي. وعندها فقط تفقد الاعتقالات والكمائن ذلك الذعر الذي تثيره بين صفوفنا، ذلك لأنه إذا أمكن الحفاظ على الصلات مع مختلف الحلقات، فإن من السهل عندها على مبعوث من ل.م. أن يجد البديل فورا ومن ثم يستأنف العمل.لهذا فإن اعتقال لجنة من اللجان لن يؤدي إلى دمار الماكنة بأكملها، بل يزيح القادة فقط الذين يوجد لهم على الدوام مرشحين معدين سلفا. ولا داعي للتحجج بأن إرسال التقارير والاتصالات أمر مستحيل بسبب ضرورة الحفاظ على سرية العمل: فطالما كانت الرغبة متوفرة، فإن بالإمكان وسيكون بالإمكان دائما تسليم (أو إرسال) التقارير والاتصالات طالما كنا نمتلك لجنة ل.م. و ص.م. .

 

ينقلنا هذا إلى مبدأ هام للغاية لكافة منظمات الحزب ونشاطاته، ففي الوقت الذي تحتم فيه الضرورة توفر أقصى قدر من المركزية فيما يتعلق بالقيادة الإيديولوجية والعملية للحركة والكفاح الثوري للبروليتاريا، هناك بالمقابل ضرورة لتوفر أقصى قدر من اللامركزية فيما يتعلق بجعل مركز الحزب (وبالتالي الحزب كله) على علم بأحوال الحركة وما له علاقة بالمسؤولية إزاء الحزب. يجب أن تودع قيادة الحركة بيد أصغر عدد ممكن من الثوريين المحترفين الذين يأتلفون في جماعات على أقصى قدر من التجانس وأقصى قدر من الخبرة العملية. على المساهمين بالحركة أن يتغلغلوا إلى أكبر عدد ممكن من المجموعات المتنوعة والمتنافرة إلى أقصى الحدود من أقسام البروليتاريا المتنوعة غاية التنوع (وكذلك إلى الطبقات الأخرى من الشعب). يجب أن تكون بحوزة الحزب لا المعلومات الدقيقة فقط المتعلقة بنشاطات كل مجموعة من هذه المجموعات بل وأكمل المعلومات الممكنة بخصوص تركيبها كذلك. علينا أن نمركز قيادة الحركة. ولهذا فإن علينا كذلك (ولذلك السبب بعينيه، لأنه من دون توفر المعلومات تصبح المركزية أمرا غير ممكن)، وبقدر ما نستطيع أن نضفي طابعا لا مركزيا على المسؤولية من الحزب من جانب جميع أعضائه كأفراد ومن جانب كل من له دور في العمل ومن كل حلقة تعود إلى الحزب أو على اتصال به. هذه اللامركزية شرط مسبق للمركزية الثورية ودواء شاف لها، وعندما تتحقق المركزية كما ينبغي وتكون بحوزتنا ص.م. و ل.م.، عندها فقط يمكن لكل مجموعة، مهما بلغت من الصغر، أن تتصل بها ــ ولا تتصل بها فقط، بل وتتصل بها على نحو منتظم بفضل نظام قام على خبرة سنوات. وفي تلك الخالة فقط يمكن القضاء على إمكانية نشوء عواقب وخيمة من جراء تركيب غير مناسب حدث صدفة لإحدى اللجان المحلية. وإذ نوشك الآن أن نصل إلى وحدة فعلية للحزب وخلق مركز قيادي حقيقي، يجب علينا أمن نتذكر جيدا أن هذا المركز سيكون عاجزا، إذا لم ندخل عليه في الوقت ذاته أقصى قدر من اللامركزية، سواء ما تعلق من ذلك بالمسؤولية إزاء المركز أو إبقائه على علم بكل صغيرة وكبيرة في الوجه الآخر من تقسيم العمل الذي يعتبر عادة واحدا من ألح الضرورات العملية لحركتنا ولا يستطيع أي اعتراف رسمي بمنظمة من المنظمات على أساس كونها المركز القيادي ولا إنشاء ل.م. شكلية، لا يستطيع هذا كله أن يجعل من حركتنا حركة موحدة بحق أو الماكنة الحزبية. وهذه اللامركزية ليست أكثر من حركة تؤدي إلى خلق حزب جهادي ثابت، إذا استمر مركز الحزب مقطوعا عن العمل التطبيقي المباشر من قبل الجان المحلية من النمط القديم أي تلك اللجان التي تتألف من جانب من خليط منتظم من الأشخاص كل منهم يقوم بكافة الأعمال بدون استثناء، دون أن يتخصص في نوع معين من العمل الثوري، دون أن يأخذ على عاتقه المسؤولية عن إحدى الواجبات الخاصة، دون أن يقوم بعمل محدد وينجزه إلى آخره بعد أن أخذه على عاتقه وجرت دراسته والإعداد له بصورة شاملة ويهدر بالتالي كثيرا من الوقت والطاقة في الضجيج الراديكالي، في حين أن هناك، من جانب آخر، جمهرة كبيرة من حلقة الطلبة والعمال، نصفها لا تعلم اللجنة عنه أي شيء ونصفها الآخر بطيء ويفتقر إلى التخصص بالقدر نفسه ولم تتح له الفرصة إلا قليلا لاكتساب خبرة الثوريين المحترفين أو الانتفاع من خبرة الآخرين، يستهلك وقته بكونفرنسات لا تنتهي«حول كل شيء»، وبالانتخابات ووضع مسودة للنظام الداخلي مثل اللجنة بالضبط. إذا أريد أن يعمل المركز كما ينبغي، يجب على اللجان المحلية وأكثر «علمية»، قادرة على الوصول إلى«كمال» حقيقي في هذا الميدان أو ذاك من ميادين النشاط العملي. ليس من شأن المركز فقط تقديم النصح والإقناع والمناقشة (مثلما كانت عليه الحالة سابقا) وإنما عليه في الحقيقة قيادة الأوركسترا، ولهذا فمن الضروري معرفة من يعزف على هذه الآلة أو تلك بدقة وأين وكيف. أين وكيف استلمت التعليمات وتستلم عند العزف على كل آلة ومن هو الذي يعزف نشازا (وقت أن تبدأ الموسيقى تصر في الأذن) وأين ولماذا ومن هو الذي ينبغي نقله وكيف وإلى أين وذلك لكي يكون بالإمكان معالجة التنافر، الخ. في الوقت الحاضر ــ وهذا أمر يجب أن يقال بصراحةــ نحن إما لا نعرف شيئا عن العمل التنظيمي للجنة من اللجان، اللهم إلا من نداءاتها ومن مراسلاتها العامة، أو أننا نعرف شيئا عنها من أصدقاء ومعارف طيبين. غير أن من السخف أن نتصور أن حزبا ضخما، قادرا على قيادة حركة الطبقة العاملة الروسية ويستعد لشن هجوم على الأوتوقراطية، يمكنه أن يكتفي بشيء كهذا. ينبغي تقليص عدد أعضاء اللجان، يجب أن يعهد إلى كل منهم، كلما كان ذلك ممكنا، بوظيفة محددة، خاصة وهامة، يجري على أساسها محاسبته، يجب إقامة مركز توجيه خاص وصغير للغاية وكذلك شبكة من الوكلاء التنفيذيين والعمل على تطويرها وربط كل لجنة بكل مصنع كبير ومواصلة التوزيع المنتظم للأدبيات وإعطاء المركز صورة دقيقة عن هذا التوزيع وعن ميكانيزم العمل كله، وأخيرا يجب تشكيل مختلف المجموعات والحلقات التي تأخذ على عاتقها أداء مختلف الوظائف أو توحيد الأشخاص القريبين من الاشتراكيين الديمقراطيين وذلك لكي تكون اللجنة والمركز على علم دائم بنشاطات هذه الحلقات(وبتركيبها) ــ على هذه التوجيهات ينبغي أن يعاد تنظيم لجنة سانت بطرسبورغ وسائر اللجان الأخرى للحزب، ولهذا السبب فإن موضوع النظام الداخلي لا يحتل إلا أهمية ضئيلة للغاية.

شرعت بتحليل مسودة النظام الداخلي انطلاقا من هدف إبراز المغزى الذي ينطوي عليه اقتراحي بصورة أوضح وآمل أنه نتيجة ذلك قد صار واضحا إلى القارئ لكي يكون من الممكن البدء من دون حاجة إلى نظام داخلي والاستعاضة عنه بتقارير منتظمة حول كل حلقة وكل جانب من جوانب العمل. ماذا يمكن للمرء أن يدرج في النظام الداخلي؟ إن اللجنة توجه عمل الجميع (وهذا واضح بحد ذاته). إن اللجنة تنتخب مجموعة تنفيذية (وليس هذا ملزما في جميع الأحوال وإذا لادعت إليه الحاجة فلا تتعلق المسألة بوجود نظام داخلي وإنما بإعلام المركز بتركيب هذه المجموعة والأعضاء المرشحين إليها). إن اللجنة توزع مختلف ميادين العمل بين أعضائها، تلزم كل عضو فيها أن يقدم تقريرا منتظما إلى اللجنة وتبقى ص.م و ل.م. على علم بسير العمل(هنا أيضا يعتبر إعلام المركز بأية مهمات جرى توزيعها أكثر أهمية من أن ندرج في النظام الداخلي بندا غالبا ما يجري تجاهله بسبب قلة قوانا). على اللجنة أن تحدد بالضبط من هم أعضاؤها. الأعضاء الجدد يضافون إلى اللجنة بالاختيار. إن اللجنة تعين مجموعات المنطقة واللجان المتفرعة للمصنع وبعض المجموعات الأخرى (وإذا شئتم تعدادها فلن تنتهوا منها ولا حاجة إلى تعدادها في النظام الداخلي إذ يكفي إعلام المركز بتشكيلها). تنظم مجموعات المنطقة واللجان المتفرعة الحلقات التالية... ليس هناك أقل فائدة من وضع هذا النظام الداخلي في الوقت الحاضر طالما كنا نفتقر من الناحية الفعلية إلى خبرة حزبية عامة(نفتقدها كليا في بعض الأماكن) وذلك فيما يخص نشاطات مختلف المجموعات والمجموعات المتفرعة من هذا النوع ومن أجل أنم نكتسب مثل هذه الخبرة فإننا لا نحتاج إلى نظام داخلي بل إلى تنظيم المعلومات الحزبية، إذا كان التعبير واردا. إن كل منظمة من منظماتنا المحلية تنفق الآن ما لا يقل عن بضع أماس لمناقشة النظام الداخلي. غير أنه بدلا من هذا، لو قام كل عضو بتكريس هذا الوقت لكتابة تقرير مفصل وجيد الإعداد إلى الحزب كله حول الوظيفة التي يقوم بها، لكانت فائدة ذلك إلى عملنا أعظم مائة مرة.

والنظام الداخلي لا نفع فيه لا لأن العمل الثوري لا يتناسب دوما مع شكل تنظيمي محدد. كلا، فالشكل التنظيمي المحدد ضروري وعلينا أن نحاول إعطاء مثل هذا الشكل إلى سائر جوانب عملنا بقدر الإمكان. وهذا أمر مسموح به إلى حد أبعد مما نعتقده، عادة، ولا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إرسال المعلومات الدقيقة إلى مركز الحزب فقط (وعلينا أن نعيد ونكرر) ففي تلك الحالة وحدها سيكون عندنا شكل تنظيمي حقيقي يتصل بمسؤولية حقيقية وبالدعاية(الحزبية الداخلية).

من منا لا يعرف أن النزاعات الخطيرة واختلافات الرأي لم يحسمها التصويت في الواقع «طبقا للنظام الداخلي» وإنما من خلال الصراع والتهديدات «بالاستقالة»؟ فخلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية من حياة الحزب كان تاريخ معظم لجاننا طافح بمثل هذا النزاع الداخلي. ومن المؤسف جدا أن مثل هذا النزاع لم يتخذ له شكلا محددا وإلا كان أنفع بكثير للحزب ولكان قد أضاف قدرا كبيرا من الخبرة لمن يأتون بعدنا. ولكن أي نظام داخلي لا يستطيع خلق مثل هذا التحديد النافع والضروري للشكل التنظيمي. فهذا الأمر لا يمكن أن يحصل إلا من خلال الدعاية الحزبية الداخلية. في ظل الأوتوقراطية ليس بيدنا وسيلة أو سلاح آخر للدعاية الحزبية الداخلية إلا طريق إبقاء مركز الحزب علم منتظم بالأحداث الداخلية التي تجري داخل الحزب.

فقط بعد أن نكون قد تعلمنا كيف نطبق هذه الدعاية الحزبية الداخلية على نطاق واسع سوف يكون بوسعنا أن نكدس الخبرة في تشغيل مختلف التنظيمات. وعلى أساس مثل هذه الخبرة الواسعة فقط التي تجمعت على مدى فترة طويلة من السنين سيكون بمقدورنا أن نضع نظاما داخليا لا يكون مجرد حبر على ورق.

كتبها لينين في أيلول عام 1902

lundi 20 septembre 2010

العلاقات التنظيمية بين اعضاء حزب شيوعي:حسقيل قوجمان

الحزب الشيوعي ككل حزب سياسي منظمة اختيارية تضم اشخاصا يحملون نفس الاراء ويناضلون من اجل تحقيق نفس الاهداف. فمن آمن بنفس الاراء ويعمل من اجل تحقيق نفس الاهداف هو شخص صالح للانضمام الى الحزب. ولا اريد هنا ان اتحدث عن اراء الاحزاب الشيوعية وعن الاهداف التي تناضل من اجل تحقيقها لان ذلك خارج موضوعنا.
على هذا الاساس ليس هناك فرق بين عضو واخر في الحزب. فجميع اعضاء الحزب لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات وهي الالتزام باراء الحزب والنضال في سبيل تحقيق الاهداف التي يناضل من اجلها. ورغم ذلك توجد فروق بين اعضاء الاحزاب الشيوعية كأن يكون بعض الاعضاء اعضاء قياديين في الحزب ويكون اعضاء اخرون اعضاء قواعديين في الحزب. يتعين ذلك بالظروف الشخصية لكل عضو مثل قدمه في الحزب ونشاطه وثقافته الحزبية واتقانه للنظريات التي يؤمن بها الحزب وكفاءته في توجيه وقيادة منظمات الحزب في الاتجاه الصحيح وسرعة بديهته عند وجود الحزب في موقف يتطلب سرعة القرار لتحقيق الاهداف التي يناضل الحزب من اجل تحقيقها. التفاوت هو في تفوق كفاءات عضو على كفاءات عضو اخر في الحزب. الا ان هذا التفاوت لا يؤدي الى تغيير واقع ان جميع اعضاء الحزب متساوون من حيث الحقوق والواجبات.
الحزب الشيوعي منظمة سياسية تهدف كما يهدف كل حزب سياسي الى الاستيلاء على السلطة وبناء المجتمع الذي يعتبره مجتمعا عادلا او ضروريا حسب نظرياته وارائه. والحزب الشيوعي يهدف استراتيجيا كما نعلم الى الثورة على النظام الراسمالي وتحقيق نظام اشتراكي. وعلى كل عضو في حزب شيوعي او حزب ماركسي ان يؤمن بهذا الهدف وان يعمل من اجل تحقيقه.
النضال في الاحزاب الشيوعية يتضمن اخطارا جسيمة كالاعدام والقتل والتظاهر والاضراب والعصيان والسجون ولذلك فان بعض الاعضاء لا يستطيعون الاستمرار في النضال في مثل هذه الظروف. وتنص انظمة الاحزاب الشيوعية على مواد تعالج مثل هذه الحالات. وفي حالة وجود اشخاص لا يستطيعون الاستمرار في هذا النضال او يتخاذلون في تنفيذ الواجبات التي تفرضها عليهم عضويتهم في الحزب او يحملون نظريات واراء تختلف عن اراء ونظريات الحزب فعلى الحزب ان يتخذ الاجراءات المناسبة في مثل هذه الحالات. فاذا كان بالامكان تثقيف وتدريب العضو بصورة تؤدي الى اقتناعه واستعداده في النضال تتخذ بحقه اجراءات معينة كوضعه تحت التجربة او التثقيف او تجميد عضويته لمدة معينة. وفي الحالات التي يرى الحزب فيها ان عضوا او مجموعة من الاعضاء يسلكون سلوكا مخالفا لمتطلبات الحزب او يحملون اراء مناقضة او مخالفة لاراء الحزب ونظرياته او انهم يتهاونون في تنفيذ قرارات الحزب فالاجراء الاشد في مثل هذه الحالات هو فصل هذا العضو او هؤلاء الاعضاء من الحزب. وقد احتوت جميع الانظمة الداخلية للاحزاب الشيوعية مادة تشير الى ضرورة ما يسمى تطهير الحزب من الانتهازية على اعتبار ان الحزب يحتاج في فترات معينة من النضال ان يطهر نفسه من الاعضاء غير الجادين في تادية واجباتهم الحزبية لاي سبب من الاسباب. فالتطهير او الفصل من الحزب هو اقسى اجراء يحق للحزب ان يتخذه.
الحزب الشيوعي كما الاحزاب السياسية الاخرى ليس حكومة او دولة او مؤسسة قضائية او غير ذلك. انه مجرد حزب سياسي يضم اعضاء انضموا اليه باختيارهم. ولذلك لن يحق لاي حزب او لاي عضو من اعضاء الحزب ان يصدر احكاما بحق اي عضو خلاف الاجراءات المقررة في الانظمة الداخلية واقساها الفصل من الحزب. ومن هذا نستنتج ان اية عملية تختلف عن هذه الاجراءات هي عملية لا علاقة لها بالاحزاب الشيوعية ولا بالنظرية الشيوعية. هنا استطيع الاجابة عن سؤالك المذكور اعلاه بانه لا "يمكن لشيوعي ومهما كانت الظروف والمبررات ان يقســو على رفيقه فيضطهده أو يحاربه ليسلبه حريته او حياته؟"
لم تلتزم جميع الاحزاب الشيوعية بهذا المبدأ الاساسي في حياة الاحزاب الشيوعية وعرفت مخالفات كثيرة لهذا المبدأ وليس قليلا ما عرف في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية. وهناك اشخاص ما زالوا على قيد الحياة يتحدثون عن تجارب شخصية في هذا الخصوص. ولا اريد الدخول في هذا المقال في سرد بعض الحوادث التاريخية التي تتضمن خرقا للقواعد التنظيمية الحزبية والقيام باعمال لا علاقة لها بالسلوك الطبيعي للاحزاب الشيوعية. فالاشخاص الذين عانوا من مثل هذا السلوك غير الشيوعي احق مني في الحديث عن تجربتهم في هذا الخصوص.
والامر يختلف حين يصبح الحزب الشيوعي حزبا حاكما يقود شعبه في طريق بناء المجتمع الاشتراكي والسير قدما سيرا وئيدا نحو تحقيق المجتمع الشيوعي. ففي هذه الحالات يصبح الامر معقدا نظرا الى ان الحزب هو حزب شيوعي من جهة والحزب هو حزب حاكم في الوقت ذاته من جهة اخرى. فمهام الحزب كحزب سياسي تختلف عن مهامه كحزب حاكم. كحزب سياسي تبقى مهام الحزب الاساسية نفس مهامه حين كان حزبا معارضا. مهمته الاساسية هي تحقيق وحدة العمال والفلاحين حول الحزب وتثقيفهم بالنظرية الماركسية ورفع مستواهم الثقافي والنظري وتطوير امكانياتهم للنضال في تحقيق اهداف الحزب وغير ذلك. اما كحزب حاكم فمهامه هي ادارة الدولة وتنظيم الانتاج الاجتماعي وتحويله من انتاج يقوم على اساس النظام الراسمالي الى انتاج يقوم على اساس النظام الاشتراكي. وفي هذه المهمة ينبغي على الحزب ان ينظم مؤسسات الدولة وجيشها ومصانعها ومواصلاتها ومؤسساتها المالية واستيراداتها وصادراتها واكتشاف كنوزها وكل ما تتطلبه الدولة من المؤسسات والاعمال.
في موضوع هذا المقال لابد ان نبحث دور الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي لانه اول حزب شيوعي يحقق مجتمعا اشتراكيا في التاريخ. وقد احاقت بهذا الحزب اتهامات بكونه استعمل العنف في حق خيرة اعضائه واتهام ستالين بقتل هؤلاء الاعضاء. لذا علينا ان نتطرق الى حق عضو شيوعي في اضطهاد عضو اخر او حق الحزب في اضطهاد عضو من اعضائه حتى حين يصبح حزبا حاكما كالحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي في فترة قيادة لينين وستالين. والجواب هو نفسه لا "يمكن لشيوعي ومهما كانت الظروف والمبررات ان يقســو على رفيقه فيضطهده أو يحاربه ليسلبه حريته او حياته؟" اما في حالة كون الحزب حزبا حاكما فان من مهامه مكافحة الجريمة والقضاء على البغاء واستخدام القضاء في معاقبة المجرمين وتكوين جيش وتسليحه واعداده للدفاع عن الوطن الاشتراكي وغير ذلك من مهام الدولة كوضع برامج السنوات الخمس وتحقيق الزراعة التعاونية وانشاء قطر متعدد القوميات بصورة غير معروفة سابقا كما حصل في الاتحاد السوفييتي. وانجز الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي جميع هذه المهام بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. وراى العالم نتائج ذلك بالتقدم الذي حول الاتحاد السوفييتي من افقر بلد في اوروبا زراعيا وصناعيا الى اكثر بلد في اوروبا تقدما صناعيا وزراعيا وفي هبته هبة رجل واحد في الدفاع عن وطن الاشتراكية الاول في تاريخ البشرية. كان ستالين بعد لينين هو القائد الاول لجميع هذه الانجازات.
ولكننا منذ استيلاء خروشوف والخروشوفيين على الحكم في الاتحاد السوفييتي وعلى قيادة الحزب بدأنا نسمع عن الملايين الذين قتلهم ستالين خلال الفترة التي قاد فيها الحزب الشيوعي والشعوب السوفييتية في تحقيق المجتمع الاشتراكي والسير باتجاه المجتمع الشيوعي. تختلف تقديرات عدد الملايين الذين قتلهم ستالين في هذه الفترة. هناك من يتواضع فيحدد عددهم بعشرين مليونا بينما يقدرهم اخرون باكثر من ذلك وما زال العدد يتضاعف كلما ابتعد تاريخ وفاة ستالين وكأنه ما زال يفتك بشعوب الاتحاد السوفييتي حتى بعد وفاته. فبلغ العدد ثلاثين مليونا واربعين مليونا وحتى فدرهم مجرم الحرب بوش بمائة مليون.
السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو هل قام ستالين بقتل هذه الملايين اثناء ممارسة مهمته كقائد للحزب الشيوعي ام قام بقتلهم اثناء مهمته كقائد للدولة السوفييتية؟ للجواب على هذا السؤال تبرز امامنا الصفة الازدواجية للحزب الشيوعي التي نشأت بعد ثورة اكتوبر. فلاول مرة في التاريخ اصبح الحزب الشيوعي فيها منظمة قائدة للدولة اضافة الى كونه منظمة سياسية. ولكي نجيب على السؤال علينا ان نراجع دور الحزب الشيوعي البولشفي كمنظمة سياسية اولا وكمنظمة قيادية للدولة ثانيا.
الحزب الشيوعي كمنظمة سياسية بعد استلامه للسلطة لا يختلف عن اي حزب شيوعي اخر. فهو حزب اختياري طوعي يضم اشخاصا يؤمنون باراء الحزب وباهدافه وبنظرياته الى اخر ذلك من صفات الحزب السياسي. والحزب البولشفي بقي منظمة سياسية طوعية حتى بعد استيلائه على السلطة. وما ينطبق على الحزب حين كان خارج السلطة ينطبق عليه بعد استلام السلطة. وقد راينا ان الحزب كمنظمة ليس له الحق في سلوك اية مهمة من مهمات الدولة كالمحاكمة والسجن او الاعتقال او اية عملية اضطهاد او قسوة تجاه عضو من اعضائه. فهل سلك الحزب الشيوعي البولشفي هذا السلوك وتمسك به خلال قيادة لينين ثم ستالين؟
معروف تاريخيا ان الحزب البولشفي منذ انتصار ثورة اكتوبر كان يضم كتلا سياسية تختلف في بعض مواقفها وارائها مع القيادة الرسمية للحزب. ففي ١٩١٨ مثلا كانت في الحزب ثلاث كتل معروفة تمارس نشاطها علنا وتنشر ادبياتها واراءها وتروج لافكارها وتناقش في هذا الاتجاه في مؤتمرات الحزب وفي اللجنة المركزية والمكتب السياسي. كانت هذه المنظمات الثلاث منظمة تروتسكي ومنظمة بخارين ومنظمة زينوفييف كامينيف. وقد كانت قوة هذه المنظمات واسعة في داخل الحزب الى درجة انها، كما تنص شهادة بخارين في محاكمته، كانت تتصور انها تحوز على الاغلبية في المؤتمر وتحدث انقلابا في السياسة، اي العودة الى الراسمالية. وحين لم تحصل هذه الكتل على اغلبية في المؤتمر، كما اشار بخارين، كانت الكتل الثلاث بالاتفاق مع الاشتراكيين الثوريين تفكر في اعتقال او التخلص من لينين وستالين وسفيردلوف لتحقيق الانقلاب.
مارست هذه الكتل الثلاث نشاطها داخل الحزب حتى ١٩٢٨ ومع ذلك استمر انتماؤها الى الحزب وتسنم مناصب قيادية فيه. والاساس في ابقاء هذه الكتل في الحزب رغم مخالفتها للسياسة العامة للحزب هو ان اختلافها مع الحزب لم يؤثر على تنفيذها ولو ظاهريا لقرارات الاغلبية. ولكن الامور في ١٩٢٨ اختلفت نوعما عند اتخاذ قرار القضاء على الكولاك كطبقة. فلم تلتزم هذه الكتل بالقرار وجرى طرد قادتها من الحزب وفقا لقاعدة تطهير الحزب. ولم يعتقل اي من هؤلاء القادة او يحاكم او يسجن او يعدم او يقتل. بل بالعكس حين اعلنوا جميعهم او اغلبهم اعترافهم بصحة اراء الحزب وصحة قراراته ووعدوا بتنفيذ قرارات الحزب المتخذة بالاغلبية اعيدوا الى الحزب لان الحزب لا يفرط باعضاء لهم تاريخ سياسي مثل هؤلاء. من هذا نرى ان الحزب البولشفي لم يتغير من هذه الناحية عما كان قبل استلام السلطة بل بقي حزبا سياسيا وبقي نظامه الداخلي كما كان قبل استلام السلطة. فالحزب لم يمارس اية وسائل من وسائل السلطة السياسية في معاملة هؤلاء الاعضاء.
ولكن الامر الجديد هو ان الحزب استولى على السلطة السياسية واخذ يقود شعوب الاتحاد السوفييتي في الاتجاه الذي تحدده اهداف الحزب البولشفي، اي بناء المجتمع الاشتراكي والسير نحو بناء المجتمع الشيوعي. اصبح الحزب الشيوعي مالكا لكافة سلطات ومؤسسات الدولة كالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والتطور الاقتصادي واعداد الجيش للدفاع عن سلطته السياسية. ولم يكن في الاتحاد السوفييتي فصل للسلطات كما هو الحال في الدول الراسمالية بل كانت السلطة التشريعية هي المسيطرة على كافة السلطات الاخرى وليس هذا بحثنا في هذا المقال.
من حق الدولة السوفييتية كما هو من حق اية سلطة سياسية في العالم ان تعمل على صيانة امنها وسلطتها بكل الوسائل المتوفرة لديها. ومن جملة هذه الحقوق ان تحاكم من يقوم بحركات تهدف الى اضعاف النظام القائم او تقويضه. في هذا المجال كانت المحاكمات الشهيرة في ١٩٣٦ و١٩٣٧ و١٩٣٨. ففي هذه المحاكمات مارست الدولة السوفييتية حقا من حقوقها لصيانة نظامها. والنقاش ينبغي ان لا يدور حول حق الدولة السوفييتية باجراء مثل هذه المحاكمات ام لا. فهذا حق تمارسه كل دولة ولا يمكن حرمان الدولة السوفييتية منه لانها سلطة يقودها حزب شيوعي. والنقاش يجب ان يدور حول ما اذا كانت هذه المحاكمات صحيحة وعادلة ام لا. وفعلا تختلف الاراء حول احقية تلك المحاكمات او عدم احقيتها حتى يومنا هذا.
جرت المحاكمات من قبل محكمة دستورية تتألف من عدة قضاة ومدع عام وهيئة محامي دفاع لمن يطلب توكيل محامي دفاع ولو ان اغلب المتهمين فضلوا الدفاع عن انفسهم بانفسهم. وجرت المحاكمات بصورة علنية دعي لحضورها كافة سفراء الدول التي لها علاقات دبلوماسية وسفراء في الاتحاد السوفييتي بمن في ذلك سفراء المانيا واليابان وحضر المحاكمات صحفيون من ارجاء العالم. ان التاريخ لم يعرف محاكمة سياسية حصلت بمثل هذه العلنية الواسعة. فقد الفنا محاكمات تجري في جلسة واحدة وبدون حضور اي انسان عدا رجال الشرطة ويجري الحكم فيها على عشرات المتهمين خلال ساعة او ساعتين. واننا نألف في ايامنا هذه الاعتقالات بالالاف في سجون علنية او سرية مع ابشع انواع التعذيب التي ابتكرها مجرمو الحرب بدون محاكمة وبدون تهمة ولسنوات عديدة كما يحدث امام اعيننا في العراق وفي ارجاء العالم. اما المحاكمات في الاتحاد السوفييتي فقد جرت امام اعين حتى سفراء الدول الذين كانوا موضع اتهام في المحاكمات. وقد حضرها اول سفير للولايات المتحدة في الاتحاد السوفييتي ولم يتغيب حتى عن جلسة واحدة وكانت له ولعائلته علاقات صداقة شخصية مع عدد من المتهمين وعوائلهم. وكتب هذا السفير كتابا عن تجربته في الاتحاد السوفييتي بعنوان Mission to Moscow تحدث فيه عن كامل تجربته في الاتحاد السوفييتي ومن جملة ذلك المحاكمات. وكان هذا الشخص راسماليا وصديقا للرئيس روزفلت ومحاميا وقاضيا فلا يمكن اتهامه بالتحيز للشيوعية. وقامت هوليوود بانتاج فلم بنفس العنوان استنادا الى الكتاب اثناء الحرب العالمية الثانية. وقد اعتبر هذا السفير المحاكمات عادلة واعتبرها القضاء على الرتل الخامس السوفييتي.
مع ذلك يعتقد الكثيرون ان هذه المحاكمات كانت طريقة لتخلص ستالين من منافسيه السياسيين وخصوصا من بخارين الذي يعتبرونه اشد المنافسين لستالين او اكثر من ستالين في ثقافته الماركسية او غير ذلك. ورغم ان المحاكمات كانت علنية بحضور كل هؤلاء السفراء والصحفيين من كل العالم يدعي الكثيرون ان اعترافات المتهمين في تلك المحاكمات جرت نتيجة التعذيب او نتيجة التهديد باضطهاد او قتل عوائلهم او اعترفوا من اجل انقاذ حياتهم.
اننا نعرف عن اعترافات جرت تحت التعذيب في حياتنا السياسية وتعرف عن محاكمات جرت في حقنا خلال ساعة او ساعتين من قبل النعساني خائف الله الذي كان يؤجل اصدار قرار الحكم حتى يكمل صلاته الى الله طالبا غفرانه على اصدار احكام مكتوبة ومقررة قبل المحاكمة. ففي تجربتي مثلا اعلن ضابط الشرطة الذي القى علينا القبض في بيتنا فرحه بصيد حبيبة وزوجها وقال بالحرف الواحد "هي راح تروح خمس سنين وهو بالسجن المؤبد". اي ان قرار الحكم صدر علي وعلى زوجتي لحظة اعتقالنا ولم تكن المحاكمة سوى عملية روتينية لا قيمة لها. ومع ذلك كنا نعلن صراحة حتى في جو مثل هذه المحاكمات عن تعذيبنا وعن اخذ الاعترافات منا بالتعذيب.
ولكن الامر يختلف في المحاكمات السوفييتية موضوع البحث. فبين جميع المتهمين، وبينهم العديد ممن كانوا يمارسون مناصب قيادية في اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب وكانوا يمارسون مناصب حكومية عالية في الدولة، لم يجرؤ اي من هؤلاء المتهمين على الاعلان عن ان اعترافاته قد اخذت تحت التعذيب. ورغم ان المدعي العام سال بعض المتهمين ان كانوا قد اعترفوا تحت التعذيب او انهم تعرضوا للتعذيب اصلا فانكروا ذلك انكارا تاما وحتى قال بعضهم انهم في الواقع هم الذين مارسوا التعذيب بانكارهم التهم الموجهة اليهم مددا طويلة. فهل من صفات القائد الماركسي العريق في النضال والمنافس لستالين ان يخشى الاعلان عن انه اجرى اعترافاته تحت التعذيب او حتى الى القول بان اعترافاته كانت غير حقيقية؟
والسؤال الهام في هذا الموضوع "ماهي التهم الموجهة الى المتهمين. هل حوكم المتهمون عن ارائهم السياسية او الفكرية او النظرية ام حوكموا عن جرائم اخرى لا علاقة لها بالاراء والنظريات؟" . نشرت في حينه جميع تفاصيل هذه المحاكمات وكل كلمة قيلت فيها من قبل القضاة او المدعي العام او من الشهود او المتهمين. ومن يقرأ الكتب الثلاثة حول تفاصيل المحاكمات من الفها الى يائها لا يجد كلمة واحدة تتعلق بالاراء السياسية والفكرية والنظرية للمتهمين. كانت الاتهامات كلها حول جرائم ضد الدولة من تخريب وقتل وتآمر واتفاقات مع دول اجنبية ضد الدولة السوفييتية. فقد جرت مثلا محاكمة الطبيب الخاص لمكسيم غوركي الذي اعترف بانه قتل مكسيم غوركي عن طريق علاجه علاجا معاكسا لمتطلبات العلاج الحقيقية. وقد شرح بالتفصيل كيف اجرى قتل مكسيم غوركي عن طريق العلاج المدمر لصحته. ولكي لا يخطئ القضاة في اخذ القرار الخاطئ في مثل هذه الحالة دعي خمسة من اعظم اطباء الاتحاد السوفييتي لكي يسمعوا اعترافات هذا الطبيب ويقرروا ما اذا كان ذلك يؤدي فعلا الى وفاة مكسيم غوركي ام لا. وقد قرر الاطباء بعد دراسة اعترافات هذا الطبيب بالاجماع بان علاجات هذا الطبيب تؤدي الى وفاة المريض. فهل يعتبر الحكم على مثل هذا الطبيب الذي اعترف كذلك بقتل ابن مكسيم غوركي ايضا حكما سياسيا او نظريا او فكريا او منافسا لستالين؟ وهل يمكن اعتبار الحكم على مثل هذا الطبيب القاتل قتلا سياسيا؟ يستطيع المرء ان يناقش قساوة الحكم على هذا الطبيب بالاعدام ويعتبر انه كان من الرحمة ان يخفف حكمه الى اقل من الاعدام. ولكن ليس بامكان اي شخص ان يشمل اعدام هذا الطبيب القاتل لمرضاه عن سبق اصرار وترصد بالملايين الذين قتلهم ستالين.
ليس بالامكان ايراد امثلة كثيرة عن هذه المحاكمات في مقال كهذا. لذا اقتصر على ايراد محاكمة ابرز هؤلاء المتهمين، بخارين الذي يعتبره البعض المنافس الاول في قيادة الحزب لستالين ويعتبرون ان ستالين قتله للتخلص من منافسته. ما هي التهم التي حوكم بخارين عليها في المحكمة؟ اورد هنا تهمتين فقط من التهم الكثيرة التي وجهت اليه واعترف بها. التهمة الاولى هي مؤامرة الانقلاب على الدولة السوفييتية في سنة ١٩١٨. فقد اعترف بخارين بان كتلته وكتلة تروتسكي وكتلة زيونفييف كامينيف اتفقوا مع الاشتراكيين الثوريين باجراء انقلاب يعيد الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي. واعترف بان الخطة كانت اعتقال لينين وستالين وسفيردلوف وتحقيق الانقلاب السياسي. ولم يكن بخارين جبانا او خائفا من النقاش والاعتراض على اقوال المدعي العام والدفاع عما يعتبره غير صحيح في اقوال المدعي العام او الشهود. فقد كان يناقش المدعي العام نقاشا حادا طويلا حول اية جملة لا يوافق على نصها الى ان يحقق وضعها بالصورة التي يعتبرها صحيحة. وفي هذه الحالة لم ينكر بخارين حقيقة المؤامرة وانما ناقش الشاهدة على موعدها. فهي كانت تصر على ان المؤامرة كانت قبل المؤتمر الحزبي وهو كان يصر على ان المؤامرة كانت بعد المؤتمر الحزبي. وكانت الشاهدة تصر على ان اعتقال القادة الثلاثة كان يعني التخلص منهم جسديا وهو كان يصر على ان الاعتقال كان فقط لحجزهم واجراء الانقلاب. ولكنه اعترف اعترافا تاما بوجود المؤامرة.
والتهمة الثانية التي اود ادراجها هنا هي تهمة الاتفاق مع المانيا على الهجوم على الاتحاد السوفييتي لقاء اهدائهم اكرانيا ثمنا لذلك. فلم ينكر بخارين وجود مثل هذا الاتفاق ولكنه بين انه لم يشترك في التفاوض حول هذا الاتفاق. وبين رغم ذلك انه مسؤول أدبيا وسياسيا عن هذا الاتفاق لانه احد قادة منظمة تروتسكي بخارين الرئيسيين. ولم ينكر مسؤوليته عن الاتفاق رغم انه لم يشترك مع تروتسكي في التفاوض عليه.
هنا ايضا يمكن للمرء ان يناقش قساوة المحكمة على بخارين بالحكم عليه بالاعدام رغم ان الاتفاق مع دولة اجنبية للهجوم على دولته هو الخيانة العظمى في عرف كل دول العالم. وليس غريبا عنا مثلا اعدام العالمين الذريين الزوجين روزنفيلط بهذه التهمة على اساس انهما افشيا بعض اسرار القنبلة الذرية الى الاتحاد السوفييتي. ولكن لا يمكن للمرء ان يشمل اعدام بخارين بملايين البشر الذين قتلهم ستالين خوفا من منافستهم له.
انتقل الان الى تهمة قتل عشرين مليونا او اكثر من ذلك. ليس من ينكر ان قيادة شعوب الاتحاد السوفييتي في بناء المجتمع الاشتراكي جرى بقيادة ستالين بعد وفاة لينين. وليس ثمة من ينكر ان ستالين كان قائد الشعوب السوفييتية في الحرب ضد النازية. ومع ذلك يتهمون ستالين بقتل عشرين مليونا اضافة الى المهام العظيمة الهائلة التي قام بها لدى قيادته للحزب والدولة والتي يعجز عن تحقيق اي منها رجل مهما كانت كفاءاته. ولكن قتل الملايين عملية كبيرة تحتاج الى جيوش وقوات جبارة وسجون ومعتقلات وافران غاز وغير ذلك من متطلبات القتل الجماعي. فهل كانت لدى ستالين مثل هذه القوى التي تستطيع قتل الملايين بالاضافة الى قوى الشعوب السوفييتية المنهمكة في تطوير مجتمعها الاشتراكي والسير به نحو المجتمع الشيوعي تحت قيادته؟
لكي يقوم هتلر بقتل الملايين ليس من شعبه انما من شعوب اخرى ومن اليهود المنتمين لشعبه كانت لديه معسكرات الاعتقال وافران الغاز ومعسكرات الابادة الجماعية وكل ما يتطلبه ذلك من كوادر الاس اس والقتلة المحترفين لتنفيذ ذلك. ومع ذلك لم ينجح هتلر بقتل عشرين مليونا اذا استثنينا الجنود الذين قتلوا في الحرب ضد العالم كله. ولم تستطع الولايات المتحدة خلال سبع سنوات من احتلال العراق واستخدام الطائرات لتدمير مدن بكاملها على سكانها واستخدام قنابل اليورانيوم المنضب والفوسفور الابيض والقنابل العنقودية والاسلحة الكيمياوية وكافة اسلحة الدمار الشامل واستخدام جيش اميركي قوامه مائة وخمسين الف جندي واستخدام جيوش المرتزقة المدربين على قتل البشر وانشاء فرق الموت واستخدام السجون العلنية والسرية مع ابشع اعمال التعذيب الجسدي والنفسي واستخدام عملائها ومليشياتهم ان تقتل سوى اكثر من مليون عراقي خلال هذه السنوات السبع. فكيف استطاع ستالين ان يقتل عشرين مليونا وهو منهمك في قيادة الشعوب السوفييتية في البناء وفي الدفاع عن وطن الاشتراكية في اوقات فراغه؟
كان عدد سكان الاتحاد السوفييتي في الثلاثينات يقدر بحوالى مائة وثمانين مليونا. واذا قام ستالين بقتل عشرين مليونا منهم، وفرضنا ان لكل قتيل اربعة اشخاص من اقربائه كزوجته واولاده واخوانه وابائهم وامهاتهم يصبح عدد المنكوبين من جراء قتل عشرين مليونا مائة مليون انسان. فكيف هبت شعوب الاتحاد السوفييتي للدفاع عن الوطن الاشتراكي تحت قيادة ستالين هبة رجل واحد بعد كل هذه النكبات التي سببها لهم؟ وكيف لم يقم ااكثر من نصف سكان الاتحاد السوفييتي الذين يتمهم ورملهم ستالين بالانتقام منه بل كانوا يموتون هاتفين يحياته؟
كل الاتهامات والافتراءات حول ستالين لم تغير من حب الشعوب السوفييتية لقائدهم ستالين العظيم. واكبر برهان على ذلك اختيار الشعب الروسي في ٢٠٠٩ ستالين كاعظم قائد في تاريخ روسيا حتى قبل لينين وبعد التلاعب في طريقة اجراء الاستفتاء اصبح ثاني اعظم قائد في تاريخ روسيا رغم كل الدعايات المتواصلة اكثر من خمسين سنة بعد وفاته في ارجاء العالم وفي بلدان الاتحاد السوفييتيتي السابق. ان اظهار ستالين كقاتل وجاهل وغير ذلك من الاتهامات لم يكن سوى ستار لاخفاء اكبر جريمة سياسية في تاريخ البشرية، جريمة تحطيم النظام الاشتراكي وتحويل الدولة الاشتراكية الى دولة راسمالية

متى يجوز للماركسي التحالف ومع من:حسقيل قوجمان


ما هو دور الماركسي، شخصا كان ام حزبا ام اي شكل من اشكال التنظيم، في هذه النضالات التي تخوضها الطبقة العاملة وكافة حلفائها؟ ان دور الماركسي ليس في كونه ماركسيا. فلا تلتف الجماهير حوله وتخضع لقيادته لانه ماركسي حتى اذا كان صادقا ومخلصا للماركسية. بالعكس من ذلك تماما. فالجماهير تلتف حول الماركسي لانه انشط واخلص واثقف المناضلين في صفوفها واشدهم حرصا وتضحية ومثابرة في النضال من اجل تحقيق اهداف الطبقة العاملة واحلافها. ثقة الجماهير هي التي تجتذبها الى الحزب الماركسي وليس العكس. فلا تخضع الجماهير لقيادة الماركسي لانه ماركسي وانما تخضع الجماهير لقيادة الماركسي لانه انشطها في النضال في صفوفها ومن اجل تحقيق مصالحها واهدافها الانية والبعيدة.
في مرحلة الثورة البرجوازية يوجد الى جانب هذا المعسكر العمالي بالتحالف مع سائر المراتب الكادحة معسكر اخر تهمه الثورة البرجوازية هو الطبقة البرجوازية المحلية او ما يصطلح عليه البرجوازية الوطنية. فالبرجوازية المحلية تعاني من سيطرة واضطهاد سلطة اخرى تضيق على تطورها الخناق وتجعل الاقتصاد الاستعماري الاقطاعي اقتصادا سائدا يضيق الخناق على اقتصادها. الطبقة البرجوازية المحلية تشعر بان من حقها هي ان تكون المسيطرة على التطور الاقتصادي في البلد ولذلك تريد تحقيق الثورة البرجوازية. وهذا هو ما يضفي عليها صفة الوطنية. فهي وطنية ليس لانها اقل رغبة من الطبقة الاقطاعية الحاكمة في استغلال الطبقة العاملة والجماهير الكادحة وانما لانها تجد مصلحة في تحقيق الثورة البرجوازية التي من شأنها ان تجعلها هي الطبقة الرئيسية السائدة والمسيطرة على استغلال هذه الجماهير الكادحة.
ان الطبقة البرجوازية المحلية هي طبقة وطنية بمدى رغبتها في تحقيق الثورة البرجوازية التي تجعلها الطبقة الحاكمة في المجتمع وهي طبقة غير وطنية بمدى خوفها من تحقيق الثورة البرجوازية تحقيقا جذريا كما تريده الطبقة العاملة. الطبقة العاملة تريد تحقيق الثورة البرجوازية تحقيقا جذريا بالقضاء على النفوذ الاستعماري والقضاء على الاقتصاد الاقطاعي قضاء تاما. اما الطبقة البرجوازية فتريد تحقيق الثورة البرجوازية تحقيقا جزئيا يضمن تحولها الى الطبقة الحاكمة في البلد ولكنها تخشى من تحقيق اهداف الثورة البرجوازية كاملة لخشيتها من تقدم الطبقة العاملة نحو هدفها الاساسي، هدف القضاء على الراسمالية وانقاذ نفسها من الاستغلال الراسمالي ككل. هذا ما يجعل الطبقة البرجوازية المحلية متذبذبة حتى في تحقيق ثورتها. فهي من ناحية تعادي الاقطاع والاستعمار الى الدرجة التي تجعل منها سلطة حاكمة ومن الناحية الثانية تساند الاقتصاد الاقطاعي والاستعماري بقدر ما يساعدها ذلك على تحطيم نضالات الطبقة العاملة وسائر الكادحين.
هذا هو الوضع الذي تجد فيه الطبقة العاملة نفسها في هذا الصراع من اجل تحقيق الثورة البرجوازية. فهي تجد في الطبقة البرجوازية المحلية عدوا لا يختلف كثيرا عن عدوها الاساسي، الاستعمار والاقطاع، من الناحية الاقتصادية. وتجد نفسها في الوقت ذاته امام طبقة ترغب في تحقيق الثورة ضد عدوها الاساسي، الاستعمار والاقطاع. تجد الطبقة العاملة نفسها في صراع دائم عنيف ضد الطبقة البرجوازية كما هو الحال ضد الاستعمار والاقطاع من الناحية الاقتصادية على الاقل، ومن الناحية الثانية تجد امامها امكانية التحالف المؤقت مع هذه الطبقة في النضال من اجل تحقيق الثورة البرجوازية. الوضع هو صراع دائم عنيف وتوافق مؤقت ضعيف.
هذا الصراع الدائم والاتفاق المؤقت هو الذي يحدد سياسة الطبقة العاملة وقيادتها الماركسية في هذه المرحلة من النضال، مرحلة الثورة البرجوازية. وهذا الصراع الدائم والاتفاق المؤقت هو الذي يحدد سياسة الطبقة البرجوازية ايضا في هذه المرحلة من النضال، مرحلة الثورة البرجوازية. وهذا هو شكل الصراع من اجل التحالف في جبهة تهدف الى تحقيق الثورة البرجوازية. لا يحدث هذا الموقف جراء رغبة الطبقة العاملة او رغبة الطبقة البرجوازية في مثل هذا الموقف وانما يحدث لان الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي التي تفرض هذا الموقف على الطبقة العاملة من جهة وعلى الطبقة البرجوازية من جهة اخرى. الموقف مفروض على الطبقتين وليس اختياريا بالنسبة لهما.
الشعار المناسب للوضع النضالي بالنسبة للطبقة العاملة في هذه المرحلة، طوال المرحلة، هو لنفترق لكي نتحد. هذا هو الشعار المناسب للطبقة العاملة في هذه المرحلة لانه يعبر عن الموقف الحقيقي للصراع فيها، الصراع ثم الاتفاق. الطبقة العاملة تركز على مهامها واهدافها ونضالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاعلامية اولا. الطبقة العاملة تحقق نفسها تحقيقا واضحا اولا. وبعد ذلك فقط تقرر موقفها من التحالف مع الطبقة الراسمالية. ان التحالف مع الطبقة البرجوازية لا يدعو الطبقة العاملة الى التخلي عن مصالحها النضالية في الصراع ضد البرجوازية. فالصراع ضد البرجوازية هو الصفة الثابتة الدائمة البعيدة الاهمية في هذا الصراع. والتحالف ياتي بالدرجة الثانية في هذا الصراع. ان تحالف الطبقة العاملة مع البرجوازية فيما يتعلق بالثورة البرجوازية لا يأتي عن طريق تنازل الطبقة العاملة عن مصالحها الانية والبعيدة وانما يأتي التحالف مع التأكيد على هذه المصالح ومواصلتها والاصرار عليها. هذا هو المعنى الحقيقي لشعار "فلنفترق لكي نتحد". وهو الشعار الثوري الصحيح للطبقة العاملة في مرحلة الثورة البرجوازية.
اين تكمن قوة الطبقة العاملة في هذه المرحلة، كما في المراحل الاخرى؟ تكمن قوتها في تحقيق وحدتها حول النضال الثوري الحقيقي في طريق تحقيق الثورة البرجوازية. فهي القوة الاساسية الصاعدة في هذا المجال. وتكمن قوتها ثانيا بمقدار نجاحها في اقناع جماهير المراتب الكادحة الاخرى بضرورة الثورة وبقدرة وحدة الطبقة العاملة مع هذه الجماهير على انجاز الثورة والقضاء على النظام الاقطاعي الاستعماري السائد في البلاد. ودور الماركسي، حزبا او منظمة او افرادا، هي في توجيه هذا النضال الهائل توجيها صحيحا.
واين تكمن قوة الطبقة البرجوازية في هذه المرحلة، مرحلة الثورة البرجوازية؟ قوتها هي الاخرى تكمن في كسب الجماهير الى جانبها. فالطبقة البرجوازية وحدها لا تستطيع انجاز الثورة. الجماهير الثائرة هي التي تنجز الثورة. وتاريخ الثورات كله شاهد على ذلك. فالبرجوازية هي الاخرى تحتاج الى التفاف الجماهير حولها في ثورتها البرجوازية. ولذلك فهي تعمل وتناضل من اجل كسب الجماهير الكادحة بمن فيها جماهير الطبقة العاملة الى جانبها اذا ارادت ان تعلن الثورة فعلا.
هذا هو جوهر الصراع في مرحلة الثورة البرجوازية. كلما افلحت الطبقة العاملة في مهمتها في توحيد جماهيرها وجماهير المراتب الكادحة، ازدادت قوتها وازداد املها في تحقيق الثورة البرجوازية بقواها وتحت قيادتها. وكلما افلحت البرجوازية في مهمتها بتوحيد الجماهير الكادحة حولها في اعلان الثورة، ازداد املها في تحقيق الثورة بقواها وبقيادتها هي.
هنا نستطيع ان نفهم شعار الجبهة الوطنية الذي ترفعه الطبقة العاملة وتعمل على تحقيقه. الجبهة الوطنية تحالف مؤقت بين الطبقة العاملة وبين عدوها الابدي، الطبقة البرجوازية، من اجل تحقيق الهدف المشترك، هدف الثورة البرجوازية. والطابع الاساسي في هذه الجبهة هو ان كانت الطبقة العاملة من القوة بحيث تجبر الطبقة البرجوازية على التحالف معها بشروطها، شروط الصراع ثم الاتفاق، او كانت الطبقة البرجوازية من القوة بحيث تجبر الطبقة العاملة على الانضمام اليها وبشروطها اثناء تحقيق الثورة البرجوازية.
في الحالة الاولى تجري الثورة تحت قيادة الطبقة العاملة. وفي الحالة الثانية تجري الثورة تحت قيادة الطبقة البرجوازية. وتعني قيادة الطبقة العاملة قيادة الجماهير القائمة بالثورة ونيل السلطة مع حلفائها لدى انجاز الثورة، بينما تعني قيادة البرجوازية قيادة الجماهير القائمة بالثورة ونيل السلطة بدون حلفائها. فالبرجوازية لا تستطيع مشاركة الطبقة العاملة في سلطتها مشاركة حقيقية لان مشاركتها تعني الحد من استغلالها والتضييق على ارباحها، هدفها الوحيد من نيل السلطة.
الطبقة العاملة تريد من الجبهة تحقيق الثورة البرجوازية بقواها مع جر او تجميد الطبقة البرجوازية. في هذه الحالة تستولي الطبقة العاملة وحلفاؤها من المراتب الكادحة وحتى تشرك البرجوازية في حكمها لفترة ما. وتحتاج في سبيل ذلك الى تدمير جميع المؤسسات الراسمالية والاستعمارية القائمة من جيش وشرطة ومحاكم ووزارات وانشاء دولة من صنعها لان الاشكال القديمة ليست قادرة على الحفاظ على سلطة الطبقة العاملة وحمايتها وتطويرها. الجماهير الكادحة هي التي تشكل السلطة الجديدة. لذا فان الانقلابات العسكرية لا تصلح اداة للطبقة العاملة لتحقيق الثورة حتى في مرحلتها الاولى، مرحلة الثورة البرجوازية. لان الانقلابات العسكرية تعتمد على الجيش القائم بالدرجة الرئيسية. ولا تستطيع الطبقة العاملة الغاء هذا الجيش بعد قيامه بالانقلاب العسكري.
اما البرجوازية فتريد من الجبهة اداة لوصولها الى السلطة باية طريقة ممكنة. وعلى هذا الاساس تريد من حزب الطبقة العاملة ان ينتمي الى الجبهة لا بصفته ممثل الطبقة العاملة وانما بالانفصال عنها. فكانت شروط كامل الجادرجي اكبر تعبير عن ذلك حين طلب من الحزب الشيوعي التخلي عن ذكر المراحل والتخلي عن التحدث عن القيادة وهذا يعني تخلي الحزب عن شعارات واهداف الطبقة العاملة البعيدة والاستراتيجية في سبيل الانتماء للجبهة. ونجحت البرجوازية في تحقيق الثورة بشكل الانقلاب العسكري لان الدولة البرجوازية تعتمد على نفس الجيش ونفس الشرطة ونفس المحاكم ونفس المؤسسات. وكان من الطبيعي ايضا نبذ الحزب الشيوعي فور نجاح الثورة منذ البيان الاول وكأنه لم يكن عضوا في تلك الجبهة ولم يستطع الحزب الشيوعي ان يحرك ساكنا لانه لم يدخل الجبهة بصفته الطبقة العاملة بل دخلها بصفته الحزبية متخليا عن اهداف وشعارات الطبقة العاملة.
كانت ثورة تموز مثالا رائعا على فشل الحزب الشيوعي كممثل للطبقة العاملة في قيادة الثورة البرجوازية.
ان قيام الثورة سواء بشكلها البرجوازي او بشكلها العمالي هو انتهاء المرحلة الاولى من الثورة، مرحلة الثورة البرجوازية. وفي مثلنا العراقي انتهت الثورة البرجوازية يوم ثورة تموز وتحولت السلطة من سلطة شبه اقطاعية شبه استعمارية الى سلطة برجوازية. في يوم ثورة تموز انتهت مرحلة الثورة البرجوازية العراقية بصورتها البرجوازية. ليس هناك استكمال او اتمام او مواصلة للثورة باي شكل من الاشكال. وقد برهنت السلطة في ثورة تموز على ذلك اسطع برهان. فشلت الطبقة العاملة في قيادة الثورة وتحقيقها بقواها ولذلك اصبحت الطبقة العاملة نتيجة لنجاح الثورة الطبقة الواقعة تحت الاستغلال الراسمالي. واصبحت الطبقة البرجوازية الطبقة الحامية لبقايا الطبقات القديمة المستغلة في المجتمع العراقي. لان الطبقات القديمة هي ايضا طبقات مستغلة يمكنها ان تتوافق مع السلطة الجديدة وفقا للظروف السياسية والاقتصادية الجديدة. وكان قانون الاصلاح الزراعي الذي سنته الطبقة الحاكمة البرجوازية اسطع مثال على مثل هذا التوافق. والطبقة البرجوازية تحقق من اهداف الثورة البرجوازية ما يتفق ومصالحها الانية. قامت السلطة البرجوازية بالانجازات الرائعة كتحويل الملكية الى جمهورية والغاء المشاريع الاستعمارية كحلف بغداد والمعاهدة البريطانية والغاء القاعدتين العسكريتين البريطانيتين وسائر الانجازات الوطنية. ولكنها تقاعست مثلا في تحقيق الاصلاح الزراعي تحقيقا جذريا لان الاصلاح الجذري ليس في مصلحتها. وقد كان موقف السلطة البرجوازية الجديدة ضد العمال ونضالاتهم الاقتصادية واضحا لاعين الجميع منذ اليوم الاول للثورة

أزمة تدبير الأزمة العامة للنظام الرأسمالي:عبد السلام أديب


شكلت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة التي انفجرت في قلب المتربول الرأسمالي العالمي، الولايات المتحدة الأمريكية منتقلة نحو بقية العالم الرأسمالي الصناعي في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية ثم نحو بلدان العالم الثالث، حلقة متقدمة من الأزمات الهيكلية للنظام الرأسمالي الامبريالي العالمي. وتؤكد هذه الأزمة على عدة حقائق مهمة حول نمط الإنتاج الرأسمالي ومستقبله:


أ – صحة نظرية كل من لينين وروزا لكسمبورغ حول كون النظام الرأسمالي يعيش مرحلة احتضار تاريخية، بدأت منذ بلوغه مرحلة الامبريالية في بداية القرن العشرين واقتسامه العالم الى مناطق نفوذ تابعة، مما أدخله في دوامة جهنمية من التناقضات والتفكك والتحلل، فأصبح النظام يتدحرج بين الأزمة فالانكماش فالحرب ثم إعادة البناء ثم أزمة جديدة فانكماش تم الحرب فإعادة البناء وهكذا دواليك، وحيث عرف القرن العشرين 225 حربا كان أبرزها الحربين العالميتين الأولى والثانية والتي أزهقت أرواح حوالي 100 مليون نسمة يتكون أغلبها من الطبقة العاملة يتم جرها للحرب بإيديولوجيات شوفينية وأخرى عنصرية وأخرى دينية ... بينما الحرب في الواقع هو من أجل حل تناقضات الامبريالية وإنعاش نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يحتضر. على اساس هذه النظرية أكدت روزا لكسمبورغ أن البشرية أمام خيارين اما الاشتراكية أو البربرية.


ب – إفلاس مطلق للديمقراطية البرجوازية على المستوى السياسي، حيث أنه مع توالي أزمات النظام الرأسمالي واحتداد الصراع الطبقي الذي تراوح بين الانتفاضات الثورية للبروليتاريا وردود فعل البرجوازية المضادة للثورة عبر القمع البوليسي واشعال فتيل الحروب ونشر الوهم استناد على ميكانيزمات البرلمانية والانتخابوية وتناوب اليمين واليسار الرأسمالي على خداع الطبقة العاملة، أصبحت الديموقراطية البرجوازية لا تتيح للعمال والفلاحين والشعوب المقهورة أي أمل في تحسن أوضاعها، بل أصبحت عنوانا للمزيد من الاستغلال والقهر والتفقير والحروب التي لا تنتهي.


ج – أنه رغم كل المساحيق والأطروحات الإيديولوجية البرجوازية والقمع الواسع للطبقة العاملة والشعوب المقهورة، فإن هذه الأخيرة أصبحت أكثر من أي وقت مضى تتحرر من الأوهام التي تنشرها البرجوازية حول إمكانية تحسن الأوضاع بينما هي تزداد قتامة.

ج – لجوء البرجوازية أكثر فأكثر إلى تكريس رأسمالية الدولة واستعمال أجهزة هذه الأخيرة القمعية للتخفيف من حدة الصراع الطبقي المتفاقم، بل واستعمال الميزانيات العامة للدولة لتعويض البرجوازيين عن الأرباح التي لا يحققونها نتيجة أزمة نمط الإنتاج الرأسمالي، وإغراق هذه الميزانيات في مديونية خيالية. فعلى سبيل المثال بلغت المبالغ المالية التي ضختها ميزانيات الدول لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية الأخيرة منذ نونبر 2008 حوالي 27 بليون دولار وهو ما يشكل نصف الناتج الداخلي الإجمالي العالمي. وهي مبالغ فتحت المجال نحو مضاربات عالمية هائلة تزيد من اتساع الفقاعة المالية والتي قد تنفجر عند أدنى توقف. فالبرجوازية تحاول حاليا معالجة أزمتها على حساب أزمة اقتصادية ومالية مستقبلية أعنف وأعمق. كما أن تدبير الأزمة بهذه الطريقة يحتمل احدات افلاسات واسعة للدول لن يؤدي فاتورتها سوى الطبقة العاملة والكادحين والشعوب المقهورة.


د – تحاول كل بورجوازية على حدة في اطار دولها تمهيد الطريق لاعتماد برامج تقشفية هائلة يتم تحميلها للكادحين، ومتى أخذنا مختلف هذه البرامج نجدها متشابهة، فالموظفون في رومانيا يجب أن يقبلوا بتقليص 25 % من رواتبهم ويقبل المتقاعدون والعاطلون بفقدان 15 % من تعويضاتهم. برامج مشابهة اعتمدت في البرتغال واسبانيا واعلن عنها من طرف الحكومة الجديدة في بريطانيا. استهداف العديد من الحكومات الأوروبية لصناديق التقاعد عبر الزيادة في سن التقاعد والرفع من الاقتطاعات والتقليص من مستوى راتب التقاعد. هناك أيضا ارادة الزيادة في معدلات الضرائب على المداخيل الصغرى والمتوسطة وتقليصها على الشركات ورأس المال. ونلاحظ في المغرب سيادة خطاب اصلاح أنظمة التقاعد بدعوى عجز هذه الأنظمة عبر رفع سن التقاعد الى 62 سنة والزيادة في الاقتطاعات وتقليص مستوى الراتب ولم يتبقى سوى مباركة المركزيات النقابية والأحزاب السياسية داخل المؤسسة البرلمانية، كما تعزم الحكومة من خلال القانون المالي لسنة 2011 اختزال الضريبة على القيمة المضافة من أرع معدلات الى اثنين 10 و20 وهي طريقة ذكية لرفع أسعار مختلف المواد والخدمات الأساسية بينما سيتم تخفيض الضريبة على الشركات من 30 الى 25% وتمهد المندوبية السامية للتخطيط لتمرير هذه التعديلات التي تخدم رأس المال على حساب الكادحين بنشر الوهم بأن التعديلات ستقلص من نسبة الفقر في المغرب وترفع من نسبة الطبقة الوسطى والطبقة الغنية.


ه – مقاومة هذا الانحدار اللولبي في الأزمة الاقتصادية والمالية لنمط الإنتاج الرأسمالي يتخذ إشكالا متفاوتة بحسب مستوى تقدم الوعي الطبقي لدى الشرائح الأساسية في المجتمعات، من طبقة عاملة وفلاحون فقراء وشباب ونساء ... علما أن أغلب الإطارات السياسية والنقابية اليسارية تعرف تحللا خطيرا وانقيادا لأوهام الإيديولوجية البرجوازية وضرباتها القمعية، وهو ما يؤدي إلى بلورة أشكال جديدة من إطارات الصراع السياسي والطبقي، فمقاومة البروليتاريا في اليونان مثلا متقدم عن مقاومتها في ايطاليا واسبانيا، لكن مقاومة الطبقة العاملة عموما في أوروبا وأمريكا تبقى متقدمة عما هو موجود في دول العالم الثالث حيث مختلف أنواع القمع والاستبداد.
....................
...................
يشكل تقدم الأزمة وتطورها عاملا أساسيا في الصراع الطبقي. فهي تفتح الأعين على ضرورة المقاومة، وتلغم تفضح الوعود المعسولة والبرامج والحلول المقترحة باستمرار من طرف الطبقة المهيمنة

dimanche 19 septembre 2010

فؤاد النّمري:الليبراليون لا يعرفون معنى الليبرالية (الحرية


من أغرب المفارقات هي أن الليبراليين ــ وهذه كنيتهم بالإنجليزية ومعناها بالعربية الأحرار أو أنصار الحرية ــ لا يعرفون الليبرالية أو الحرية التي يُتكنون بها حتى ولا أيّاً من مدلولاتها، ومع ذلك صدعوا رؤوسنا وهم يزعقون في مختلف منابرهم بخطابات تقدس الحرية التي هي طلسمهم. ليس لدي تفسير لهذه المفارقة الغريبة سوى أن هؤلاء الليبراليين إنما هم مأجورون، دون وعيٍ منهم، من قبل القوى الرجعية التي تحلم في أن تتوقف الشمس في كبد السماء دون أن يأتي اليوم الآخر ويتقدم التاريخ إلى الأمام. وليس أدل على ذلك من أن فيلسوف الليبراليين في العالم اليوم فرانسس فوكوياما (Francis Fokoyama) نادى بنهاية التاريخ.

ينادي الليبراليون بحق كل شخص في المجتمع أن يعتقد فيما يشاء، ويجهر بعقيدته بكل الوسائل المتاحة، ويدعو الآخرين لتبني عقيدته والتحزب لها، وتنظيم الحزب المناضل في سبيل تحقيق منطوق هذه العقيدة على الأرض. يجب توفير كل هذا لسائر أفراد المجتمع دون زجر أو قهر من قبل السلطات المختصة. يقول الليبراليون بكل هذا لكنهم لا يعلمون التداعيات التي تترتب على مثل هذه الأقوال.

التطبيق العملي لمفهوم الحرية لدى الليبراليين هو أنه لكل شخص كامل الحرية في الحفاظ على كينونته والدفاع عنها، وتتمثل هذه الكينونة برأي الفيلسوف الإنجليزي مؤسس الليبرالية جون لوك (John Locke 1632 – 1704) بالحياة، والصحة، والحرية، والممتلكات، التي جميعها تتحقق عبر أسلوب الإنتاج وعلاقات الإنتاج التي بدورها تحدد علاقة الإنسان بالمجتمع وبالطبيعه. وهذا ما ينعكس بالتالي في انقسام المجتمع إلى طبقات لكل طبقة أسلوبها الخاص في الإنتاج، كما يقيم الأساس المادي الذي لا يزول ــ تبعاً للمفهوم الليبرالي ــ للصراع الطبقي. فالدولة الليبرالية ــ وهي دولة لا وجود لها إذ أن الدولة هي في النهاية منظمة طبقية ــ عليها أن تحمي كافة الطبقات ولا تسمح باندثار أي طبقة وبذلك تتخلد وسائل الإنتاج ولا يعود التاريخ يتقدم نهائياً. من هنا طلع علينا فوكوياما بنظريتة عن نهاية التاريخ. غير أن التاريخ القريب الذي عايناه وعانينا من أحكامه أثبت أن كل تصورات الليبراليين ودعاواهم مجرد أوهام حيث أن وقائع التاريخ جرت على عكس ما يزعمون. ثم إن الدولة التي تقف على مسافة واحدة من كافة الطبقات هي بحكم وظيفتها لا تنتمي لأي طبقة من طبقات المجتمع وهو ما يفترض أنها مستوردة من خارج مجتمعها الأمر الذي لم يحدث قط عبر التاريخ.

الإتصاف بالليبرالية لا يدل على الموصوف بأية دالة. فالدولة الليبرالية هي الدولة التي تتشكل عبر الإنتخابات العامة الدورية التي تسمي نواب الشعب الذين يزكون الحكومة التي تصون الحريات العامة. اقتصرت أفكار ومبادئ الليبراليين على تحديد وتشكيل البنية السياسية والإدارية للدولة. لكن هذه البنية ما كانت لتقوم كما هو معروف إلا لخدمة البنية الإقتصادية، والبنية الإقتصادية تتغير باستمرار وعندما لا تتغير وتنمو بالنسبة المتوقعة يتنادى أهل الإختصاص للبحث في علة عدم النمو. وتبعاً لتغير البنية الإقتصادية تتغير بالتساوق البنية ال9سياسية. وبناء على ذلك فإن المعنى الأول والمباشر لليبرالية، أي الإنتصار للحرية، إنما هو مجرد وهم لا وجود له. فالدولة الليبرالية سياساتها مقيدة بشروط التنمية الإقتصادية. زعيق الليبراليين حول تقديس طلسم الحرية ليس في جوهره إلا دخاناً يغطي بعض الشروط القاسية للتنمية الإقتصادية والشروط المجحفة للإنتاج وأولها استغلال العمال.

الأفكار الليبرالية الأولى جاء بها جون لوك في القرن السابع عشر تأسيساً لقيام الدولة البورجوازية التي ترعى شروط الإنتاج البورجوازي المتجسدة على الأرض آنذاك في الصناعات اليدوية (Handicrafts) وفي الرأسمالية التجارية (Mercantilism) التي ازدهرت في بريطانيا في عصر الملكة اليزابيث الأولى (1533 ــ 1603). الدولة التي أخذت تتلبرل (Liberalization) إذّاك رافق لبرلتها إلغاء الطبقة الإقطاعية عن طريق استخدام قوى القمع خلافاً لكل الدعاوى الليبرالية. وخلال الثورة الصناعية (1750 ـ 1850) وتكامل لبرلة الدولة، قامت هذه الدولة الرأسمالية المتصفة بالليبرالية بأفظع جريمة بحق الإنسانية. لقد جرى تحطيم أدوات الإنتاج اليدوية وتصفية نقابات المهنيين (Guild Masters). لقد تم تصفية طبقة اجتماعية عريضة من خلال حرمانها من أدنى وسائل الحياة. وبوسع الذين عمّروا في القرن العشرين أن يتصوروا فظاعة جريمة الدولة الليبرالية في تصفية طبقة المهنيين من خلال الحروب التي شنتها جيوش بريطانيا الليبرالية الإمبريالية على الكثير من شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والجرائم التي ارتكبتها هناك، كما في الحرب الهمجية التي شنتها الولايات المتحدة الليبرالية الإمبريالية على شعب فيتنام وأحرقت البشر والحجر والشجر وكانت بحجة الدفاع عن الحرية.

انقلاب الطبقة الوسطى السوفياتية جرى في عهد خروشتشوف 1954 ـــ 1964 باستخدام القوى العسكرية. إزاحة مالنكوف من الأمانة العامة للحزب وما رافقه من تعطيل للخطة الخمسية جرى في العام 1954 من خلال تعاون خروشتشوف مع جنرالات الجيش. وكان تدخل العسكر في الإنقلاب على قيادة الحزب وطرد نصف عدد أعضائها في حزيران 57 ، وأخيراً الإنقلاب على خروشتشوف في العام 64 وكان عسكرياً بفظاظة مفضوحة. أما انقلاب الطبقة الوسطى في العالم الرأسمالي فقد جرى بشكل سلمي وجاء نتيجة إفلاس الرأسمالية الأميركية جرّاء تورطها في حربها ضد الشعب الفيتنامي إلى أن استنفذت كل قواها وانهزمت. مؤتمر الرأسماليين الخمسة الكبار في رامبوييه 1975 قرر تنازل الرأسماليين عمّا تبقى في إيديهم من أدوات الإنتاج الرأسمالي خاصة وأن دائرة الإنتاج الرأسمالي كانت قد تعطلت نهائياً جرّاء استقلال دول العالم الثالث وفك روابطها مع مراكز الرأسمالية في العالم.

إنقلاب الطبقة الوسطى على البروليتاريا في العالم الإشتراكي وعلى الرأسماليين في العالم الرأسمالي وقع بالطبع قطعاً لطريق الوصول إلى الشيوعية. البورجوازية الوضيعة بحكم ضعتها لا ترى أبعد من أنفها. قطعت طريق البروليتاريا نحو الشيوعية واستبدت بالسلطة لكن كيف لها أن تطعم شعوبها بدون العمال!؟ إنتاج الخدمات هي حصة الطبقة الوسطى من مجمل الإنتاج القومي لكن الخدمات ليست من احتياجات الشعوب الحيوية؛ تتنعم الشعوب بالخدمات نعم، لكنها ليست من احتياجاتها الحيوية الأساسية. الطبقة الوسطى أعجز من أن تبني شبكة أمان لشعبها. العمال والفلاحون وحدهم هم القادرون على تأمين تلك الشبكة. الأزمة الفريدة غير الرأسمالية التي لم يحلم بها كارل ماركس وتمسك بخناق العالم اليوم وتشكل خطورة جدية قاتلة على حياة العالم ومستقبله تتأتّى من استفراد البورجوازية الوضيعة بالسلطة رغم عجزها الفاضح عن تأمين شبكة أمان لشعوبها وعن إطعامها. تعوض عجزها هذا من خلال نهب العمال بصورة وحشية لم يقارف مثله الرأسماليون. كان الرأسماليون يسرقون من العمال 20 ــ 25% من إنتاجهم وهو نسبة فائض القيمة، أما الطبقة الوسطى فهي تستبدل خدماتها بأربعة أضعاف أو خمسة أضعاف قيمتها من السلع بداعي أن خدماتها تستبطن المعرفة التي لا تقارن بجهد العامل العضلي، وأخذ إقتصاديو البورجوازية الوضيعة يتحدثون عن اقتصاد المعرفة بزعم أن المعرفة أصبحت هي العامل الحدي في القيمة. التأسيس على مزاعم اقتصاد المعرفة، وهو ما تعمل علية دولة الرفاه كاشفة عن طبيعتها كدولة الطبقة الوسطى، ضد العمال والرأسماليين، مثل هذا التأسيس اقتضى مباشرة إلغاء قانون القيمة الرأسمالية الذي يحول دون نهب العمال من قبل منتجي الخدمات بدعوى إنتاج المعرفة. وبإلغاء قانون القيمة الرأسمالية تُلغى السوق بصورة آلية. مبادلة الخدمات بأضعاف قيمتها بالسلع تجري خارج السوق، وادعاءات الليبراليين بأن البنية السياسية الليبرالية إنما هي البنية الفوقية لاقتصاد السوق هو خداع وتضليل يهدف إلى تبرير إفتراس الطبقة العاملة من قبل الطبقة الوسطى، وتشريع ما يسمى باقتصاد المعرفة.

الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة الأميركية تنتج سنوياً من الخدمات ما قيمته الإسمية أكثر من 9 تريليون دولاراً مقابل أقل من 3 تريليون دولاراً من السلع ينتجه العمال. في السوق الداخلية تتبادل الطبقتان الإنتاج بما قيمته 2.5 تريليون تقريباً لكل منهما، تشتري الطبقة الوسطى سلعاً بقيمة 2.5 تريليون وتدفع للطبقة العاملة خدمات بذات القيمة بالإسم فقط، أما فعليا فلا يأخذ العمال بالمقابل أكثر من نصف تريليون ولذلك رأينا الطبقة العاملة تنكمش خلال الربع الأخير من القرن المنصرم بنسبة هائلة تقارب 60%. ما تبقى لدى الطبقة الوسطى من إنتاج الخدمات وهو أكثر من 6.5 تريليون فتستهلك منه جزءاً مناسباً وتبيع جزءاً آخر في الأسواق الخارجية وما لا تبيعه يضيع فاقداً للقيمة. المفارقة هنا هو أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تستغني عن أكثر من 2.5 تريليون دولاراً من إنتاجها للطبقة الوسطى وهذا لا يسد نصف ما تستهلكه الطبقة الوسطى من السلع وأما النصف الآخر فيتوجب تدبيره عن طريقين، إحداهما مبادلة ما تسوقه من خدمات في الأسواق الخارجية بالسلع المطلوبة، والأخرى بالاستدانة. لذلك وصلت الديون الخارجية للولايات المتحدة 17 تريليون دولاراً وهو ما يعادل 150% من مجمل إنتاجها القومي، هذا عداك عن الديون الداخلية التي تساوي ضعف الدين الخاجي؛ وقد تحقق كا هذا خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وعليه، تعتبر الولايات المتحدة الأميركية دولة مفلسة ولكن لم يعلن إفلاسها بسبب التزوير والإحتيال. مؤتمر الخمسة الكبار في رامبوييه 1975 سمح للولايات التحدة بأن تصدر نقدها بدون غطاء، وهي اليوم تعيش على الدولار المزور وقد طبعت منه منذ العام 1975 حوالي 600 تريليون دولاراً حسب تقدير جملة من خبراء المال والإقتصاد. الدول التي ما زالت تشتري الدولار الأميركي المزور تساهم في جر العالم إلى كارثة تتعدى مأساويتها كل التصورات. في وقت قريب وفي ساعة محددة سيوجّه للعالم ضربة قاضية بقوة 1000 تريليون دولاراً فكيف سيكون حاله بعد الضربة!!؟

السادة الليبراليون الذين يكتبون حولنا لجأوا مؤخراً إلى تبرير دعاواهم بمثال الدول الاسكندينافية وخاصة الدانيمارك والسويد. يرفعون أصواتهم مستنكرين الدعوة للإشتركية بداعي أن السويد والدانيمارك في بلهنية لم تحلم بها الدول الإشتراكية سابقاً. السادة الليبراليون يستغفلوننا ويسوقون إلينا فرجتهم على ظواهر الأمور في الدول الإسكندينافية. الدول الإسكندينافية وسائر الدول الغربية الموالية للسياسة الأميركية تستظل في خيمة الدولار الزائفة. حالتها ليست أفضل من حالة الولايات المتحدة كثيراً فالإنتاج الدانيماركي والسويدي يعتمد بصورة رئيسية على إنتاج الخدمات وبنسبة تزيد عن 70% وعليه يتحصّل السويديون والدانيماركيون على أسباب عيشهم بالإستدانة. كل مواطن دانيماركي وسويدي هو مدين بعشرة آلاف دولار. مديونتهما مثل مديونية لبنان الذي يلوذ بالدعم السعودي كيلا ينهار وكذلك السويد والدانيمارك تلوذان بالدعم الأميركي فالميزان التجاري السويدي الأميركي مثلاً يميل بمقدار 9 مليار دولار لصالح السويد. الليبراليون الذين يلوذون بالرفاه السويدي والدانيماركي كي يهاجموا الإشتراكية والماركسية لم يكلفوا أنفسهم بالتحقق من أن الرفاه في الدول الإسكندينافية بل وفي سائر الدول في غرب أوروبا وفي الولايات التحدة إنما هو رفاه زائف لن يعمر طويلاً، وسيتسبب بكارثة كونية للإنسانية.

فؤاد النمري

samedi 18 septembre 2010

هل يتحول الحزب الشعبي الى حزب شيوعي؟:لينين

هل يتحول الحزب الشعبي الى حزب شيوعي؟
جواب الرفيق لينين الى الوفد المنغولي


السؤال الاول
"هل يحرز نضال التحرر الوطني النصر "؟
جواب الرفيق لينين
" انا شخصيا اشترك في الحركة الثورية منذ 30 سنة واعرف بتجربتي الشخصية مبلغ الصعوبة التي يجابهها كل شعب في التحرر من مستعبدية الخارجيين والداخليين ولكن مونغوليا رغم انها بلد تربية الماشية ورغم ان سواد سكانها رعاة رحل قد حققت نجاحات كبيرة في ثورتها والرئيسي انها وطدت هذة النجاحات بانشاء حزبها الثوري الشعبي ومهمتة ان يصبح حزبا جماهيريا وان يحول دون العناصر الغريبة وتوسيخة"
السوال الثاني
" الا ينبغي على الحزب الشعبي ان يتحول الى حزب شيوعي؟ "
جواب الرفيق لينين .
" انا لا اوصي بهذا لانة لايجوز "تحويل" حزب الى اخر "
واوضح الرفيق لينين كنة الحزب الشيوعي بوصفة حزب البروليتاريا وقال " لايزال يترتب على الثوريين ان يبذلوا الكثير من الجهد في بنائهم السياسي والاقتصادي والثقافي قبل ان ينشا من عناصر الرعاة جمهور بروليتاري يساعد فيما بعد على " تحويل " الحزب الثوري الشعبي الى حزب شيوعي . ان مجرد تغيير اللافتة ضار وخطر "
وشرح الرفيق لينين باسهاب لوفدنا فكرة امكانية وضرورة التطور غير الراسمالي في جمهورية مونغوليا الشعبية مع العلم ان الشرط الرئيسي الذي يضمن الانتقال الى طريق التطور غير الراسمالي هو تقوية عمل الحزب الثوري والحكومة لكي يؤدي هذا العمل واشتداد نفوذ الحزب والسلطة الى تنامي التعاونيات وظهور اشكال جديدة لادارة الاقتصاد وللثقافة الوطنية وتلاحم طبقة الارات حول الحزب والحكومة لاجل تطوير البلد في ميداني الاقتصاد والثقافة
فقط من جزيرات النموذج الاقتصادي الجديد الناشى بتاثير الحزب والحكومة سيتكون النظام الاقتصادي الجديد غير الراسمالي في منغوليا الاراتية .
المصدر .
صدر للمرة الاولى في 1934
في كتاب" المؤتمر التاسع للحزب الثوري الشعبي المنغولي ( 28 سبتمبر _ ايلول . 5 اكتوبر _ تشرين الاول _ 1934 ) اولان باتور . دار منغوليا الحديثة
لينين الاعمال الكاملة المجلد 44

تعريب دار التقدم موسكو . لينين " حركة شعوب الشرق الوطنية التحريرية "
مجموعة من المقالات والخطب ص437_438
سنة الطبع 1974